ما إن مرت شهور قليلة على تولي باراك أوباما الرئاسة، حتى ثار جدل صاخب داخل أميركا وخارجها، حول مدى التغيير الفعلي الذي أحدثه أوباما في السياسة الخارجية. وقد انقسم المراقبون لفريقين، يرى أولهما أن تغييرا حقيقيا طرأ على سياسة أميركا تجاه العالم، بينما رأى الفريق الآخر أن هناك درجة عالية من الاستمرارية بشأن الكثير من القضايا. فهل من جديد فعلا في سياسة أوباما الخارجية؟ وما طبيعته وحدوده؟
الحقيقة أن مفتاح الإجابة عن ذلك السؤال، هو تحديد المقصود بالجديد الذي نبحث عنه. فهل المقصود هو حدوث تغيير في السياسة الخارجية الأميركية عما كان عليه الحال في عهد بوش الابن أم أن المقصود هو «جديد» في صنع السياسة الخارجية الأميركية عموما؟
واقع الأمر أن ما حدث في العامين الأولين من حكم أوباما، هو في جوهره عودة بالسياسة الخارجية الأميركية إلى ما كانت عليه قبل تولي بوش الابن، الذي مثلت سياساته انقلابا على الأسس الجوهرية التي انبنت عليها السياسة الأميركية منذ الحرب العالمية الثانية.
ومعنى العودة بالسياسة الخارجية إلى ما قبل بوش، هو أن الطابع الإمبراطوري للسياسة الأميركية يظل موجودا في عهد أوباما كما كان في عهد بوش، وإن كان قد حدث تغير في طريقة إدارة شؤون الإمبراطورية.
ومن أجل شرح ما تقدم، ينبغي التذكير بأن إدارة بوش الابن لم تكن في أية مرحلة من مراحلها طوال الأعوام الثمانية، إدارة عادية على النمط المعروف للحكم في أميركا، إذ هيمنت عليها منذ البداية مجموعة مدفوعة بزخم ايديولوجي صارخ، يمثل مضمونه انقطاعا راديكاليا عن تياري الواقعية والليبرالية الدولية، اللذين طالما هيمنا على صنع السياسة الخارجية الأميركية، على الأقل منذ الحرب العالمية الثانية.
فالفكر الذي هيمن على إدارة بوش الابن وحدد ملامح سياستها الخارجية، كان فكر المحافظين الجدد الذي قام على تحديات مطلقة، وهدف لتحقيق الهيمنة الأميركية الكاملة على العالم، والقضاء على أية مقاومة لتلك الهيمنة حتى ولو باستخدام القوة العسكرية.
ومتابعة السياسة الخارجية لأوباما، تؤكد أنه لا يمكن اعتبارها بمثابة تحول راديكالي. فهي في مجملها تعود بالسياسة الأميركية إلى ما كانت عليه قبل بوش. بل إن قسمات رؤية الإدارة هي الأخرى ليست جديدة، إذ هي تمثل تركيبة من أفكار وتوجهات تبنتها إدارات ديمقراطية، بل وجمهورية سابقة، الأمر الذي يجعلها بالضرورة مختلفة كثيرا عن رؤية إدارة بوش.
فعلى عكس إدارة بوش التي نظرت للعالم من حولها باعتباره مليئا بالمخاطر التي تنبغي مواجهتها، وخصوصا عبر القوة العسكرية، فإن إدارة أوباما تنظر لذلك العالم نظرة براغماتية قائمة على تعظيم الفرص.
ومن هنا فإن لإدارة أوباما تعريفها للمصلحة الأميركية الذي يختلف بالضرورة عن تعريف إدارة بوش لها. فإدارة أوباما لا تتبنى منطق إدارة بوش الذي يقوم بشكل جوهري على السعي للهيمنة المطلقة على العالم، ومنع القوى الصاعدة من منافسة أميركا، والتصدي بالقوة لكل من تسول له نفسه تحدي تلك الهيمنة أو مقاومتها. فأوباما يدرك حدود القوة العسكرية وسقف ما يمكنها تحقيقه.
وقد انعكس ذلك بشكل مباشر على موقف إدارة أوباما من الصين والهند والبرازيل، على سبيل المثال. فهي لا تنظر إلى صعود تلك القوى باعتباره تهديدا مباشرا لأميركا، وإنما باعتباره أمرا واقعا لا بد من التعامل معه لتعظيم الفرص والمصالح الأميركية.
وإدارة أوباما رفضت أيضا تعريف بوش لأميركا ذاتها عبر التأكيد على هويتها الدينية، والذي روج له بالمناسبة كتاب ومفكرون أميركيون مثل صامويل هانتنغتون. فقد قال أوباما صراحة إن أميركا ليست دولة «مسيحية»، وإنما «علمانية تحترم الحريات الدينية»، وقد انعكس ذلك التعريف مباشرة على رؤية إدارة أوباما للعالم الإسلامي وموقفها منه.
بعبارة أخرى، رغم أن الطابع الإمبراطوري للسياسة الخارجية الأميركية ظل موجودا عند أوباما، إلا أن الرئيس الجديد قدم رؤية مختلفة لطبيعة إدارة مصالح تلك الامبراطورية، تمثل تركيبة من رؤى إدارات سابقة.
فهو يميل لاستخدام الدبلوماسية كأداة من أدوات السياسة الخارجية، لا الاعتماد أولا على القوة العسكرية، وذلك دون التخلي طبعا عن اللجوء لاستخدامها، إذا لزم الأمر. وهو ينظر للمنظمات الدولية لا باعتبارها مناهضة للمصالح الأميركية مثل بوش، وإنما باعتبار أنه يتحتم على أميركا السعي للعمل من خلالها، من أجل تطويعها لخدمة المصالح الأميركية.
وذلك طبعا دون التخلي عن اللجوء للأحادية في اتخاذ القرار، متى ارتأت أميركا وحدها أن ذلك في مصلحتها. وأميركا عند أوباما ـ مثله مثل رؤساء أميركيين سابقين ـ لا بد وأن تتولى قيادة العالم لأنه في حاجة إلى قيادتها.
ولكن، على عكس بوش، فإن أميركا عند أوباما لا يمكنها قيادة العالم دون التفاعل معه والتعاون مع مجموعات مختلفة من الدول، من أجل تحقيق ما تريد. وكل تلك الأفكار كانت موجودة، إما كلها أو بعضها، في عهد كلينتون، بل وبعضها كان موجودا في عهد بوش الأب.
ولا يقل أهمية عن كل ذلك، أن طبيعة الإمبراطورية ذاتها قد عاد بها أوباما إلى ما كانت عليه قبل بوش الابن. فلعل الملمح الرئيسي للإمبراطورية في عهد بوش، هو أنها عادت في عهده للنمط التقليدي للإمبراطوريات، القائم على الاحتلال العسكري المباشر.
وقد تسلم أوباما هذا الإرث، ولكنه عاد بالإمبراطورية لسابق عهدها، حين كانت تقوم بالأساس على القواعد العسكرية في الخارج. ففي عهده، حصلت أميركا على سبع قواعد جديدة في كولومبيا، لتضاف إلى 800 قاعدة عسكرية أميركية في أكثر من 130 دولة حول العالم.
كاتبة مصرية
