فلسطين في ذاكرتنا الجمعية

فلسطين في ذاكرتنا الجمعية

بعد 62 عاماً من قيام الكيان الصهيوني على أرض فلسطين العربية، وطرد شعبها الفلسطيني منها، لا تزال السياسات الصهيونية تحتفظ بعنفها وشراستها، إن لم نقل إنها ازدادت عنفاً وشراسة وعدوانية، في ظل سيطرة الحكومة اليمينية المتطرفة بزعامة بنيامين نتنياهو ذات القبضة الحديدية الصهيونية، التي تعمل على تهويد كامل لمدينة القدس.

لا سيما أنها احتفلت قبل أيام بمرور 43 عاما على إعلان القدس عاصمة موحدة لها، وتؤكد قدرتها على خوض حرب تدميرية ضد الشعب الفلسطيني، وعلى التهيئة لحرب قادمة في المنطقة.

إسرائيل بوصفها دولة يهودية قامت على مرجعية دينية توراتية، تستند إلى مقولة وعد الرب و«شعب الله المختار»، وباعتبارها أيضا قاعدة استراتيجية متقدمة تقوم بدور وظيفي ضمن أهداف السياسات الجيوسياسية للقوى الامبريالية الغربية، تعمل على تدمير العالم العربي، لا على إقامة سلام معه.

والسبب أن القيادات الصهيونية والتي ارتكبت جريمة طرد شعب من أرضه، ترى أنها لن تستقر دون تدمير العالم العربي كله، لأن نهضة الأمة العربية وتحقيق وحدتها، سيقلبان ميزان القوى لمصلحة العرب.

إن تدمير وجود الأمة العربية تماماً، هو الذي يشفي غليل القادة الصهيونيين، ويحقق أهداف مخططاتهم.

وفضلا عن ذلك، تسعى إسرائيل دائماً إلى تعطيل أي عملية «سلام» تستهدف حلاً للصراع العربي/ الصهيوني، قبل أن يتحقق الهدف الصهيوني العام، وهو إشعال الحرائق في العالم العربي، وتفكيك أوصاله وتحويله إلى طوائف وقبائل متحاربة منهكة، لأن القيادات الصهيونية ترى أن أي «سلام» قبل ذلك، سوف يكون هدنة يستعيد العرب فيها قواهم ليشنوا حرباً جديدة.

ولذلك فإن السياسة الصهيونية تحتل وتحاول ابتزاز تنازلات وتثير فتناً وتحاول فرض اتفاقيات، ولكنها في النهاية تريد تهويد كل فلسطين، وعالماً عربياً مفككاً ومنهكاً، وطوائف متناحرة تحقد كل منها على الأخرى.

المشروع الصهيوني لم يقم من أجل فلسطين، بل قام فيها ليحقق أهدافه في كل الجغرافيا العربية، ومنها تثبيت التقسيم الإمبريالي، وحفظ المصالح الإمبريالية، ومنع تحقيق الوحدة القومية والتحرر السياسي والاجتماعي. وبالتالي، فإن تحرير فلسطين ليس شأناً فلسطينياً، إنه شأن عربي.

ولما كانت فلسطين لا تحرر فلسطينياً، فإن تغليب القُطري، يعني فقط البحث عن تسوية مذلة. وإذا ما طرح الفلسطيني في مواجهة الصهيوني، أثارت القضية الشفقة العالمية، لأن الصهيوني المشرد، يشرد الفلسطيني المسكين.

وما دام الفلسطيني لا يستطيع هزيمة الصهيوني هزيمة ساحقة وحده، لأن المشروع الصهيوني جزء من المشروع الإمبريالي، فإن الحل، بالنسبة للعالم، لا يعدو أن يكون «تسوية» في أحسن الأحوال، إذا أصبح النضال الفلسطيني جدياً إلى درجة تسمح بفرض تسوية.

لقد تراجع العمل القومي لتحرير فلسطين كثيرا، لأن الدول العربية أصبحت مع التسوية، منخرطة في عملية السلام المتوقفة.. ولذلك عملت على التخلي عن الجهد القومي في تحقيق التحرير.

كما حدث قبل عام 1948 وخلاله وبعده.. وتبنت القوى القومية صيغة العمل الفلسطيني الراهن، عندما رأت تلك القوى أنها ليست في وضع يسمح لها بخوض معركة التحرير مباشرة، وأن الرّد الهجومي المباشر على العدو الصهيوني، يهدد معظم الأنظمة القائمة!

ولما كانت الأرض الفلسطينية محتلة، والشعب مشرداً، وكانت القوى الفلسطينية العاملة من أجل فلسطين، غير قادرة على التحرير، وغير مستعدة لانتظار الزحف العربي، أو العمل لقيامه، صارت محاولة إقامة الكيان الفلسطيني عبر «التسوية السياسة» هي السياسة الواقعية المقبولة.

ومع ذلك، وبعد توقيع اتفاق أوسلو، وبروز نذر تبلور الكيان الفلسطيني، كانت السلطة الفلسطينية تنظر إلى هذا الاتفاق على أنه مفتاح بناء الدولة الفلسطينية المستقلة. غير أن مسيرة الحكم الذاتي الفلسطيني انتقلت من إخفاق إلى آخر، لأن اتفاقات أوسلو لم تكن عقد قران بين زوجين متكافئين في الحقوق والواجبات.

وإنما كانت تسوية بين محتل صهيوني وبين عربي فلسطيني خاضع للاحتلال. وقد أراد المحتل في كل مرحلة أن يفرض، بدعم من الولايات المتحدة، وجهة نظره من جانب واحد.

كاتب تونسي

tawfik-m@scs-net. org

طباعة Email
تعليقات

تعليقات