يعيش العالم الحديث عصر الكتل الكبرى، ولم يعد هناك وجود للكيانات الصغرى، خاصة المفتعلة والناتجة عن الصراعات الداخلية، والتي كان يمكن حلها بقدر من العقلانية والرغبة في بناء وطن يسع الجميع، تحت شروط جديدة تتوافق مع تطور العالم المعاصر.

فطبيعة المرحلة الراهنة من التاريخ، تفرض قيام كتل اقتصادية ضخمة تسمح بالانتاج الكبير، كما تسمح بتطبيق الشعار البورجوازي الكلاسيكي: دعه يعمل، دعه يمر.. ولكن هذه المرة تحت ظروف العولمة التي تسقط كل اشكال الحدود المادية والثقافية. فالعالم، حقيقة، يتحول إلى قرية في الواقع، وليس مجازا أو افتراضيا.

وفي مثل هذا التطور الذي يعيشه العالم، تصبح الدعوة إلى إنشاء دول جديدة، خاصة إذا كانت ضعيفة الامكانات البشرية والمادية، أقرب إلى نزوات الغضب والتصويت العقابي الذي يحدث في الانتخابات، بقصد معاقبة حزب بعينه باختيار حزب آخر حتى وإن كان غير مرغوب فيه.

ظل الماضي أو التاريخ عبئا ثقيلا يحكم علاقات الشمال والجنوب، وعجزناـ شماليون وجنوبيون ـ عن تحويل هذه التركة الثقيلة إلى دروس وعبر نسترشد بها في صناعة مستقبل أفضل لنا جميعا، رغم ما نلنا كنخب من تعليم ومعرفة وتجارب وانفتاح على العالم وتطوراته.

توقفت النخبتان عند اسوأ ما في التاريخ السوداني: العجز عن التفاعل والاندماج أو التعايش ثقافيا في دولة قائمة على حق المواطنة، إذ لايمكن اعفاء أي طرف من وجود نخب فاسدة وأنانية تعمل لمصالحها الخاصة فقط.

فالنخبة الشمالية همّشت الجنوب لكي تحتفظ بنصيب أكبر من السلطة، وحتى الحروب كان لها بارونات واثرياء استفادوا من استمرارها.

وفي المقابل، تكونت بورجوازية جنوبية، سواء بسبب الحكم الذاتي (زمن النميري)أو بسبب النضال والكفاح المسلح في فترات لاحقة.

ومن ناحية أخرى، لا يمكن أن تحكم العقد النفسية والمواقف الذاتية الضيقة مصائر شعوب، وتهدر بالتالي الامكانات الهائلة التي تجعل هذه الشعوب اكثر سعادة وتقدما. فالجنوبيون لم يتخلّفوا عن العمل بسبب اصولهم او دينهم أو ثقافاتهم؛ ولكن لان النظم السياسية المتتالية عجزت عن اجتراح طرق جديدة للتنمية المنتجة، والمستقلة، والعادلة.

فالقضية ليست عرقية أو عنصرية، ولكنها عجز في الخيال السياسي، وعدم القدرة على الانجاز الذي لازم النظم الحاكمة؛ والتي شارك فيهاـ جميعا ـ كثير من الجنوبيين ايضا.

وقد كسر جون قرنق هذه الحلقة المفرغة حين رفع شعار السودان الجديد. ولكن لازم سوء الحظ السودانيين، فقد دفن الشعار معه ولا نسمعه الا في مناسبات متباعدة وبخجل. والأهم أنه لا يقال من القلب، لأنه لا يوجد من يعمل على تحقيقه على الأرض.

في حالة غلبة السبب الثقافي و العنصري في الدعوة للانفصال، فقد كان بعض الدول ـ وهي عظمى ـ قائمة على الفصل العنصري أو التمييز، وكان يمارس قانونيا ومجتمعيا، وليس خلسة كما هو الحال في السودان.

وأقصد بذلك جنوب إفريقيا والولايات المتحدة الاميركية، ولكنها تجاوزت ذلك الوضع، بسبب وجود ارادة وطنية تتمسك بالدولة الموحدة، وتدرك قيمة الوحدة.

نحن الآن في سباق مع الزمن، ولكننا نتعامل وكأن الانفصال قد أصبح أمرا واقعا، وهذه ايضا من مظاهر الكسل العقلي وسوء التقدير السياسي. لا أدري كيف توصلنا إلى هذه النتيجة الحتمية؟

هل اجريت استطلاعات رأي لاستشراف مستقبل الجنوب؟وبالمناسبة، الانتخابات ـ مع كل عيوبها ـ لم تقدم أي مؤشر يؤكد هذا الرأي الذي يمكن أن يكون قد روّج له دعاة الانفصال الشماليون وصحيفةسالانتباهةس، واستطاعوا بيع الفكرة لنا جميعا.

والغريب في الأمر أنه لم يعد يرتفع أي صوت يقول بأن نتيجة الاستفتاء ستكون الوحدة، ثم يقدم الحجج لمثل هذا الرأي. بل العكس، نلاحظ أن أكثر الوحدويين تفاؤلا صار يقنع بالمطالبةبأن يكون الانفصال سلميا، وقد يتحذلق البعض ويتحدث عن الانفصال السلس!

وفي بلدان أخرى، عندما تصل الأمور إلى هذا الحد من الخطورة والمخاطرة، يعلن المثقفون حالة الطوارئ سباقا للزمن. وهذه الفترة تمثل اختبارا حقيقيا لمنظمات المجتمع المدني السوداني، ومدى جديتها وكيف تضع اولوياتها.

فقد رأينا همة ونشاط بعضها في مراقبة الانتخابات، ولكنها الآن غائبة وصامتة تماما. واتمنى أن يكون هذا بمثابة نداء لليقظة وإدراك حجم الكارثة. وقد علمت بمساعي بعض الشخصيات لتكوين هيئة قومية حقيقية، خلافا لتلك التي كونها المؤتمر الوطني من بقايا الحملة القومية لمساندة البشير.

وهذه مبادرات جيدة وليست متأخرة بأي حال، وذلك حسب جدية المشاركين والأسس التي سوف ينطلقون منها.

وهذا يعني وجود مجموعة منتقاة من الوحدويين الشماليين والجنوبيين، وأن يبتعدوا عن الشعارات المبتذلة، مثل الوحدة الجاذبة وما شابهها من اكليشيهات خاوية المعنى. فقد ظل الكثيرون يجترون الحديث عن الوحدة الجاذبة، دون أن نلمس أي تجسيد لها في شكل تنمية أو تطوير للجنوب على أرض الواقع.

نعيش في هذه الايام، مرحلة حاسمة ومصيرية فعلا، وليس مجرد كلام. لذلك، لا بد من عقل جديد ونظرة جديدة، تضع مصلحة الجنوب والشمال فوق كل عقد التاريخ والمصالح الضيقة للنخب. ولأنه في حالة الانفصال لن يفقد الشمال الجنوب، ولكن سيفقد الجنوب نفسه.

لا أقصد هنا أن الجنوبيين غير قادرين على حكم الجنوب، كما يردد البعض ظانين أنه بمثل هذا القول يبرر عدم الانفصال. ولكن أقول هذا، لأنه قد آن الاوان للتعامل مع المستقبل، ووقف الانكفاء على الماضي، والامعان في التلاوم وتبادل الاتهامات.

نحن سويا يمكن أن نبني وطنا موحدا صاعدا، يحقق طموحات الجميع، وطنا قويا واعدا. وفي حالات الانفصال سوف تتجاور الاصفار:دولة الجنوب الفاشلة إلى جوار دولة الشمال الفاشلة، وسوف نضيف إلى الدول الفاشلة دولتين جديدتين.

إن الوقت يمضي سريعا، ولا مجال لأي مماطلات ومناورات وجدل عقيم. ولنبدأ بالحوار الصريح العميق، ثم بخطة عمل قابلة للتنفيذ وتشرك جميع الفعاليات: السياسية والابداعية والمجتمع المدني... الخ. والتفكير الجديد ـ كما اسلفت ـ يعني التخلي عن الوثوقيات التي صارت تحتل العقل السياسي السوداني، والتي ترى أن الانفصال آت لا ريب فيه، وهي لا تدعو لرد القضاء ولكن للطفه:الانفصال السلس!

علينا أن نجلس معا ونسأل:ما هو الدليل القاطع الملموس على حتمية الانفصال؟وهل السياسة مغلقة بهذه الصورة ولا تعرف البدائل والاحتمالات؟ولماذا لا تفتح القيادات السياسية والنخب في الشمال والجنوب الباب أمام بدائل مثل الكونفدرالية؟

كاتب سوداني

ssc_sudan@yahoo.com