كنت وملايين العرب غيري ننتظر طويلاً تحقيق الحلم الجميل بإطلاق محطة فضائية تركية باللغة العربية، لتكون نافذة لتركيا على العالم العربي، ونافذة للعالم العربي للتعرف أكثر، والتعمق أفضل، في الثقافة والمخزون الحضاري التركي. وانطلقت هذه القناة باسم «التركية» وكانت التوقعات منها والترحيب بها كبيرين.

لكن بعد مشاهدة محتواها «الإعلامي» على مدى أسابيع عديدة، كان لا بد لنا جميعاً كمحبين ومناصرين ومتابعين للسياسة التركية في الآونة الأخيرة، وما حققته من انتصارات في التقرب من عمقها الاستراتيجي العربي والإسلامي، أن نقول: ما هكذا تورد الإبل أيتها «التركية»!

نعم، كانت «التركية» وبعد مراقبة ما تبثه من برامج وأفلام ومسلسلات بشكل دقيق، وتمعن فاحص، (بعد الحدث المهم في الرابع من إبريل 2010، أي بعد الافتتاح الكبير في القسطنطينية أو اسطنبول برعاية «الرجل الطيب» أردوغان رئيس الوزراء) قد سببت لنا صدمة كبرى.

كنا نريد من «التركية» أن تسهم في ردم ما تبقى من فجوة بين العالم العربي وتركيا، وأن تؤكد عمق انتماء تركيا للحضارة الإسلامية.. كنا نريد أن نسمع عن الصناعة والتجارة والزراعة والثقافة والحضارة والتبادل التجاري والخبرات والإمكانات التركية، وكيف يمكن أن نقابلها كعرب بتحية مثلها أو أحسن منها.

كنا نود أن نسمع الطرب والموسيقى التركية التي أخذنا منها مئات الألحان، كنا نتوقع أن ندخل المطبخ التركي ونأكل أطايب الأطباق، أو ندخل مطبخ السياسة التركية لنفهم سر «تتبيلتها» الشهية، ولكن الصدمة جاءت من خلال تقديم وجبات «بائتة» أو «باهتة»، وبعض الوجوه «المعتادة» جدا!

نريد أن نقترب أكثر من اسطنبول التي قال عنها نابليون: «لو أصبح العالم كله دولة واحدة لكانت اسطنبول عاصمتها». نتطلع لأن نشاهد الإنجازات الحضارية التركية بكل ما فيها من دهشة، ولشرب استكانة شاي في «البازار الكبير» أو فنجان قهوة «عثملي» يبوح بعبق السياسة التركية.

لم نكن نريد مشاهدة أفلام تركية قديمة تعود لسبعينيات القرن الماضي وتدخل في إطار «أفلام المقاولات». ولم نكن ننتظر بث مسلسلات تركية وإن كان لها عشاقها الكثر، لأن محطاتنا العربية المنوعة «ما قصرت» وتتهافت على بثها صباح مساء، وإعادتها من جديد.

ثم من أخبركم أو خدعكم، يا إخوتنا الأتراك الذين نحترمهم ونحبهم ونجلهم، أننا نعشق أن نرى على شاشتكم نجوم الفن العربي أو خريجي برامج «النجوم» و«الأكاديميات» الفنية، الذين يلفحون وجهنا وينغصون حياتنا في المحطات العربية؟!

من الذي نصحكم (ويسعى لتدمير تجربتكم الرائدة بنصائحه) بنقل تجربة الفشل العربي في إنتاج البرامج المنوعة التي تفتقر لأدنى مقومات الإبداع، وتعتمد في غالبيتها على المظهر الخارجي عنصراً وحيداً لترويج قناتكم؟ ومن قال لكم إننا نريد أن «نتكلم عربياً» مكسّراً؟

نحن نريد أن «نتكلم» بالتركي، وأن يكلمنا الأتراك بلغتنا، ولكن عن أنفسهم أولا، وعن ماضيهم وحاضرهم وكيف ينظرون إلى مستقبلهم، لنتعرف اليهم ونتقارب معهم أكثر، ولنعزز معهم كل ما هو مشترك بيننا، وهو كثير ومتنوع.

لم إذا لم تستفيدوا من تجارب من سبقوكم من الدول؟ ولم إذا تبدو «التركية» خجلى من أن تكون تركية، وكأنها تعتقد أننا لا نريد التواصل مع الأتراك؛ حكومة وشعباً وحضارة وتراثاً، فكانت النتيجة أن «التركية» التي انتظرناها طويلاً صارت مثل أي قناة عربية، تقدم لنا وجبات متكررة، وأطباقا شبه متماثلة؟

لم إذا أيتها «التركية» تصرين على هذا الجفاف والجفاء، رغم أننا نعيش هذه الأيام «موسم المطر»؟ لماذا أدخلتنا عنوة إلى كهف «سنوات الضياع» بينما نحن نبحث عن «وتمضي الأيام»؟! ولم إذا أضعت هويتك المميزة وجواز سفرك إلى قلوب ملايين العرب؟

إننا نناشدكم إعادة النظر في توليفة «التركية» البرامجية ومحتواها الإعلامي، و«ترميم» ما يمكن ترميمه، (وما أصعب الترميم في البدايات)، لأن إصلاح مزاج المشاهد وتغيير فكرته عن أية قناة تلفزيونية من الصعوبة بمكان، حيث ان الانطباعات الأولى هي التي تنطبع في الذاكرة وترسخ في عقله ووجدانه.

فلم إذا تخجل تركيا من أن تعلن عن نفسها إعلامياً بوضوح وشفافية، وتنتهز هذه الفرصة التاريخية المواتية؟ فالشعوب العربية لم تكن في يوم من الأيام قريبة من تركيا كما هي اليوم، حيث ان كل بيت عربي يأكل بشهية «اللبنة» التركية صباحاً، ويتعشى بشهية أيضاً على «مسلسل» تركي!

كاتب وإعلامي فلسطيني

tahboub_@hotmail.com