بدلاً من أن نسعد بالتفوق الذي جعل خمسة فرق عربية تصعد إلى دور الثمانية في بطولة أندية إفريقيا لكرة القدم، إذا بنا نضع أيدينا على قلوبنا خوفاً من أن يتحول الأمر مرة أخرى إلى مأساة أو فضيحة، فالفرق الخمسة تضم إلى جانب نادي «الترجي» التونسي فريقين من مصر هما الأهلي والاسماعيلي.
وفريقين من الجزائر هما وفاق سطيف وشبيبة القبائل، وللأسف الشديد فمازالت آثار ما حدث في لقاءات فريقي مصر والجزائر في تصفيات كأس العالم ماثلة أمامنا بأحداثها البشعة، وأخطائها القاتلة، وآثارها التي أضرت بالعلاقات بين الدولتين، والأسوأ أنها أضرت بالعلاقات بين شعبين شقيقين كنا ومازلنا نعلق على لقائهما وتعاونهما المشترك الكثير في إصلاح حال الأمة وعبور المحنة التي تجتازها.
كانت الأحداث تافهة، طوبة على أوتوبيس اللاعبين، ومشاحنات بين المشجعين في القاهرة أو في الخرطوم، ولكن الشحن الإعلامي وأخطاء صبية الإعلام الرياضي الذين انتشروا في الفضائيات فحولوا المباريات إلى ساحات للقتال وارتكبوا على الجانبين ما لا يليق من أخطاء في حق الشعبين. والتأخر في التدخل لحسم الأمر من جانب القيادات السياسية بما سمح لأعداء العروبة هنا وهناك باستغلال الموقف وإشعال نيران الفرقة، كل هذا ترك جراحاً كنا في غني عنها، وللأسف الشديد لم تنجح كل محاولات إنهاء الأزمة خلال الشهور الماضية.
وفشلت كل الوساطات بين القائمين على اتحادي الكرة في القطرين الشقيقين، ولم تجد محاولات التهدئة ومن بينها اقتراح اتحاد الكرة الإماراتي باستضافة مباراة ودية بين الفريقين الشقيقين، وما اقترحته على صفحات «البيان» بأن تكون المباراة بين منتخب من الفريقين المصري والجزائري في مواجهة منتخب فلسطين تحت شعار إنقاذ القدس.
ومع ذلك فدعونا نأمل خيراً ونسعى إليه، ودعونا نقول إن أمامنا فرصة لطي هذه الصفحة في اقرب وقت. ولا نقول ذلك من فراغ، ولا نتجاهل أن الأزمة مازالت موجودة والجهود لحلها لم تفلح حتى الآن. ولكن رغم ذلك كله فهناك ما يدعونا للتأكيد على أن صبية الإعلام الرديء لن يجدوا المجال مرة أخري ليكرروا ما فعلوه، وأن من يتحينوا الفرص لزرع الشقاق بين الشعوب العربية لن يستطيعوا ممارسة لعبتهم هذه المرة. والشواهد كثيرة :
ففي الطريق إلى النهائيات التقى الفريقان المصريان (الأهلي والاسماعيلي) بفريق الاتحاد الليبي وفريق الهلال السوداني، ومرت الأمور على خير، بل وعندما حاول البعض إثارة مشكلة حول بعض الأحداث التي رافقت المباريات وخاصة في مباراة الأهلي المصري مع الاتحاد الليبي، كان التدخل الرسمي حاسماً، وكان التأكيد على أن خطأ مشجع أو لاعب من هنا أو هناك لا ينبغي أن يتعدى حدوده أو يؤثر في العلاقات الودية بين الأشقاء.
أيضا بعد اجتماعات الاتحاد العربي للكرة أخيراً وما رافقها من استمرار للمشاحنات بين الثنائي (زاهر ـ وروراوة) كانت هناك أحاديث عن انسحابات ومقاطعات للنشاط العربي، وكان التدخل الرسمي أيضا حاسماً، والتزم الإعلام الرياضي بخط حريص على التعاون العربي، بل كانت هناك انتقادات لبعض المسؤولين في الاتحاد المصري للكرة الذي سارع بإصدار بيان رسمي تعامل مع الأمر بتعقل وبعيداً عن الانفعال.
والأهم من ذلك أن الكل تلقي درساً من حادث « كترمايا » في لبنان حيث كان الأمر بالطبع يفوق مباراة للكرة وإلقاء طوبة على أوتوبيس أو زجاجة مياه على لاعب، هنا كانت مذبحة ومتهم مصري بقتل أربعة لبنانيين، ثم انتقام من الجماهير المنفعلة بقتله والتمثيل بجثته. ومع ذلك فشلت كل محاولات الإثارة وتحويل الأمر إلى خصومة بين الشعبين.
تعامل المسؤولون في القطرين الشقيقين بمسؤولية، ولم ينجر الإعلام في مصر لمحاولات التحريض، وكان الإعلام في لبنان هو المبادر بإدانة ما حدث. ورغم أن الحادث وقع بعد أيام من صدور الأحكام في قضية تنظيم حزب الله بمصر فقد فشلت محاولات تصوير الأمر على انه رد على هذه الأحكام، كما فشلت محاولات من بعض الأطراف الخارجية لإثارة الصحف المصرية والتساؤل المريب عن سر عدم تصعيدها للموقف، وكأن المطلوب تحويل كل قضية شخصية إلى معارك بين الشعوب !!
المناخ الجديد الذي استوعب الدرس كان وراء مبادرة النجم أبو تريكة وهو يبدي استعداده للسفر للجزائر ويؤكد أنه ـ مثلنا جميعا ـ سيشجع فريق الجزائر وهو يمثل العرب في كأس العالم، ولعل ذلك يكون بداية لتجمع الجماهير حول نجومها في الطريق الصحيح.
ولكن هذا بالطبع ليس بديلاً عن قرار سياسي مطلوب، فقد أكد رئيس اتحاد الكرة الجزائري محمد روراوة أكثر من مرة ان القرار في بقاء الخلاف أو إنهائه هو قرار أكبر منه، كما أعلن سمير زاهر رئيس اتحاد الكرة المصري ان الخلاف لن يحل إلا بقرار سياسي، وأظن أن الظروف أصبحت أفضل لاتخاذ هذا القرار.
وأظن أن الرئيسين مبارك وبوتفليقه هما أكثر من يدرك أن قدرتنا هي بلا حدود على تحمل الخلافات بين الأنظمة، ولكن العلاقات بين الشعوب لا ينبغي أن تدفع ثمن هذه الخلافات، خاصة عندما يكون الشعبان الشقيقان هما جزء أساسي في أمل الأمة على تجاوز محنتها، وعندما تكون الخلافات بين الأنظمة بلا معنى في وجه المخاطر الهائلة التي تهددنا جميعا من المحيط إلى الخليج العربي.