مما لا شك فيه أن البطالة تعد من أهم التحديات التي تواجه دولة الإمارات ودول الخليج الأخرى. وتشخيص تلك البطالة ليس بالأمر الصعب. فهي بطالة شبابية أي موجودة بين صفوف حديثي التخرج من الجنسين، كما أنها بطالة جغرافية أي موجودة في بعض الإمارات بصورة أكبر من غيرها.
بالإضافة إلى ذلك فهي قد تكون بطالة اجتماعية أي متعلقة بالنظرة الاجتماعية الموجودة في المجتمع تجاه بعض الوظائف دون غيرها، وأخيرا يمكن اعتبارها بطالة متعلقة بالنوع الاجتماعي لكون الإناث أكثر تعرضا للبطالة من الذكور بحكم أن الفتيات ونظرا للعادات والتقاليد الاجتماعية السائدة يفضلن العمل بالقرب من أسرهن نظرا لعدم تقبل المجتمع بعد لقضية سكنى الفتاة بمفردها بعيدا عن الأسرة وعدم تقبل الفتاة نفسها أحيانا الابتعاد عن إمارتها والعمل في إمارة أخرى بعيدة.
وعلى الرغم من وجود العشرات من الفتيات الإماراتيات العاملات بعيدا عن أسرهن وإمارتهن إلا أن ذلك لا يعد وضعا سائدا أو شائعا بل هو في معظم الأحيان وضع استثنائي. ولذا يظل البحث عن فرصة عمل حلما يراود عقل أي شاب وتظل فرصة العثور على عمل مناسب بالقرب من سكنى الأهل مطلبا مهما لكل شابة.
عرف مجتمع الإمارات ما قبل النفط قضية البطالة وتعامل معها بكل جدية. ففي الماضي كان الغواصون والعاملون في البحر يضطرون بفعل الأوضاع الاقتصادية السائدة آنذاك إلى قضاء بعض الوقت دون عمل. وكانت تلك البطالة (الموسمية). كانت فرص العمل محدودة خاصة إذا ما عرفنا بأن الثقافة السائدة آنذاك كانت لا تحبذ العمل اليدوي بل تحتقره وتعتبر التجارة وعمل البحر من الحرف المفضلة.
في هذا المجتمع عانى الرجل من البطالة الموسمية التي أثرت في نفسيته كثيرا ودفعته إلى اقتحام مجالات غير مألوفة اجتماعيا. في هذا الوضع وقفت المرأة إلى جانب الرجل تعينه في تحمل أعباء الحياة سواء من داخل المنزل أو خارجه. فلم تكن هناك غضاضة في أن تخرج المرأة إلى السوق لبيع المنتجات المنزلية من بيض وخبز ومنتجات يدوية أو للخروج إلى السوق لبيع السمك أو الخضروات. بل ان في بعض الأحيان احتكرت المرأة بعض الحرف مثل بيع الأسماك في الأسواق العامة ضاربة بذلك أروع الأمثلة على وعي المرأة الاقتصادي والاجتماعي.
وعندما ازدادت حدة الضائقة الاقتصادية العالمية ضاقت فرص العمل في الإمارات وهو الأمر الذي اضطر أهل الإمارات، شيبا وشبابا، إلى السفر إلى بلدان الخليج المجاورة بحثا عن فرصة عمل. فقد شدوا الرحال إلى السعودية والبحرين وقطر والكويت بل وأينما تراءت لهم فرصة عمل. فالوثائق تروي لنا عن غواصين اضطروا للسفر إلى سيلان للعمل في مغاصات اللؤلؤ هناك. وهكذا ساهمت العقلية المنفتحة والرغبة في التقليل من الآثار الضارة للأزمات الاقتصادية وإفرازاتها أهل المنطقة إلى التغلب على ظروفهم الاقتصادية والتخفيف من أثار الأزمة وإفرازاتها.
وعندما جاء النفط وبدأت الدولة في مسيرة التنمية توفرت الآلاف من فرص العمل لكل راغب ومن كل حدب وصوب. وحظي المواطنون بالكثير من فرص التدريب والعمل والأفضلية. فقد أعطيت لهم الأولوية في الكثير من الوظائف خاصة الحكومية منها. ولم يكن القطاع الخاص جاذبا للأيدي العاملة المواطنة لعدة أسباب أهمها جاذبية العمل الحكومي وقلة الامتيازات التي يحصل عليها العاملون في القطاع الخاص وساعات العمل وغيرها من الأسباب.
أما بالنسبة للمرأة فقد ابتعدت عن القطاع الخاص لعدة أسباب يأتي على رأسها ساعات العمل الطويلة والاختلاط في هذا القطاع وهما عاملان ساهما ليس فقط في دفع المرأة بعيدا عنه بل وفي تكريس نظرة نمطية معينة تجاه هذا القطاع.
سنوات الطفرة أفرزت تغيرات كبيرة أبرزها المتغيرات القيمية والاجتماعية. فنظرة المواطن إلى نفسه ومجتمعه تغيرت، واكتسبت (الوظيفة) قيمة مغايرة أبرزها القيمة الاجتماعية. فالتفاخر الاجتماعي بأن الفرد يعمل في هذا المجال أو ذاك أصبح واقعا. ولذا أصبح المواطن لا يرضى بأي وظيفة كانت بل يفضل الوظائف ذات المردود العالي وساعات العمل المناسبة له. وساهم السوق المفتوح وتوافر فرص العمل المتعددة في تلبية هذه التوجهات وتكريس بعض النزعات الاجتماعية.
ولكن ما إن انتهت الطفرة البترولية وتغيرت الأوضاع الاقتصادية حتى تأثر سوق العمل بتلك التوجهات. وقد يكون أول من تأثر بفعل هذه التغيرات هو العنصر المواطن بفعل متطلبات سوق العمل الجديدة والمنافسة من قبل العنصر الوافد المؤهل والمستعد لتقبل أي فرصة عمل مهما قل مردودها المالي ومركزها الاجتماعي.
وهكذا بدأت الدولة تشهد بدايات ما عرف بأزمة البطالة. وعلى الرغم من أن الدولة لم تقف مكتوفة الأيدي أمام هذه القضية فطورت برامج التدريب للمواطنين وعمدت إلى مراجعة مناهج التعليم وتعديل القوانين، إلا أن القضية لم تكن بهذه السهولة. فقد ظلت عدة قضايا تطفو إلى السطح وتساهم في تفاقم أزمة البطالة أهمها النظرة الاجتماعية التي تكرست في سنوات الطفرة، وتعود القطاع الخاص على رمي المسؤولية الكاملة لتوظيف المواطن على كاهل الحكومة، ومتطلبات سوق العمل الجديدة والمعتمد على مبدأ تكافؤ الفرص بين المواطنين وغيرهم، وتركز فرص العمل في مراكز الدولة الرئيسة دون الأطراف.
ومع تزايد فرص العمل في بداية الألفية، إلا أنها أيضا شهدت تزايد بطالة الشباب المواطن حتى أصبح البعض منهم ينظر إلى مستقبله بقلق وترقب. وأصبح الكثير من الشباب يفتقد سمة الأمان الوظيفي بل ان البعض منهم ينظر بفزع إلى مرحلة ما بعد التخرج خوفا من أن يواجه بقضية عدم توفر شواغر أو بعدم وجود خبرة سابقة أو حتى درجة يتم تعيينه عليها.
وبينما تعمل الدولة جاهدة على توفير المئات من فرص العمل للشباب المواطن وحث القطاع الخاص على توظيف المواطن وتعديل القوانين المعمول بها في محاولة لإشاعة جو من الاطمئنان، وبعث روح الأمل بين صفوف الشباب المواطن إلا أن القضية تحتاج إلى أكثر من ذلك. فلا تزال هناك معوقات تتمثل في الحاجة إلى تنظيم سوق العمل، وتشديد القوانين فيما يتعلق بتوظيف الشباب في القطاع الخاص، والاهتمام بأطراف الدولة من حيث التنمية وأخيرا في أخذ ملف التوطين بشيء من الجدية.
من ناحية أخرى نحن في حاجة إلى تغيير اتجاهات الشباب فيما يختص بفرص العمل المتاحة حتى نقضي على النظرة الاجتماعية التي تساهم في زيادة أعداد العاطلين. بهذا نكون قد عالجنا أحد أهم الملفات الموجودة على طاولتنا.
