مضى أكثر من شهرين على الانتخابات العراقية التي جرت في السابع من مارس الماضي، من دون أن يلوح في الأفق مخرج لتشكيل الحكومة العراقية، وسط مناكفات بين الكتل الرئيسية الفائزة في الاقتراع بأكبر عدد من المقاعد، وبشكل خاص بين القائمة العراقية بزعامة إياد علاوي، وائتلاف دولة القانون بزعامة رئيس الوزراء المنتهية ولايته نوري المالكي.

الغموض لا يزال سيد الموقف، رغم الحديث عن بناء تحالفات، ومساع من الجانبين لجذب هذه الكتلة أو تلك لتعظيم فرصته في تشكيل الحكومة المرتقبة، التي يبدو أنها عصيّة على الخروج إلى النور، في ظل تداخل الأوراق المحلية مع الإقليمية والدولية في المسألة العراقية.

وعلى سبيل المثال، ومع تمسك علاوي والمالكي كل بأحقية كتلته في تشكيل الحكومة، وجدنا الأول يطالب الولايات المتحدة للتدخل من اجل ما أسماه حماية الديمقراطية، فيما سارعت الحكومة العرقية إلى تحذير السفير الأميركي من أي تدخل في تفاصيل تشكيل الحكومة المنتظرة، وهو ما يضفي مزيدا من حدة الصراع والتجاذب بين اكبر كتلتين لهما مقاعد في البرلمان الجديد.

هذا الوضع ربما تنبأ به البعض ولم يكن غير متوقع، مع بقاء العراق مسرحاً لصراعات شتى بين قوى خارجية كل منها تحرص على أن تظل لها كلمة مسموعة من خلال اتفاقات وتفاهمات ومصالح مشتركة مع نظام الحكومة المقبلة.

ولعل التحركات التي قام بها عدد من الساسة العراقيين على مختلف مشاربهم في الآونة الأخيرة إلى دول الجوار، وبعض العواصم العربية والأجنبية ليس ببعيد عن التناهش الإقليمي والدولي للورقة العراقية، رغم حديث الجميع عن عدم التدخل في شؤون العراق الداخلية، فشاء العراقيون أم رفضوا، فإن ما يدور في بغداد لا يمكن أن يتجاهل مصالح أطراف دولية عدة، وهذا ما فرضه الغزو الأميركي لأرض الرافدين في مارس 2003.

العراق إذن في دائرة شبه مغلقة، من المصالح والأغراض التي لا يمكنه الفكاك منها بسهولة، من غير إعادة ترتيب البيت من الداخل، رغم أن إعادة الترتيب هذه تتقاطع معها أوراق خارجية من الصعب تجاوزها، حتى بات الأمر كما السبب الذي يولد نتيجة، هي سبب لبقاء الوضع المعقد أصلا.

كما هو عليه إن لم يزده تعقيدا.

ولعل التفجيرات الدموية التي شهدتها بغداد والعديد من المحافظات العراقية الأخرى، وراح ضحيتها مئات القتلى منذ إنهاء اقتراع مارس، وما تلاه من نتائج غير حاسمة لهذه الكتلة أو تلك رسائل لا يجب أن تخطئ عناوينها، وأن يعي مستلموها خطورة بقاء الوضع على ما هو عليه، لأن التفجيرات الدموية تسلب أرواحا عراقية بريئة، ولم يعد الأمر يتحمل المزيد.

وعربيا رأينا في الأيام الأخيرة مساعي عراقية لإشراك أطراف عربية في جهود الخروج من المشهد الراهن، ويرى بعض المحللين انه وبعيدا عن التعقيدات التي تحيط بالدور العربي (لابد من صياغة موقف عربي فاعل يستهدف بشكل أساسي الحفاظ على الهوية العربية للعراق، وإعادة اللحمة بين أطياف الشعب العراقي وفقاً لمبادئ التوازن والعدالة، بما يساهم في الحد من التدخلات الأجنبية).

أضاع العرب وقتا طويلا في التعامل الخجول مع قضية عراق ما بعد الاحتلال، وهو ما احدث فراغا استغل إقليميا على حساب التواصل العربي مع العراق، ليس حبا في العراق ذاته ـ وان كان هذا الحب مطلوبا ـ ولكن أولا وأخيرا دفاعا عن مصالح عربية لا يجب إعطاء الآخرين فرصة النيل منها.

tnh57@hotmali.com