فتحت الانتخابات البرلمانية البريطانية الباب أمام تساؤلات متعددة حول آفاق نظام التعددية الحزبية في الحياة السياسية.

وعلى مدار عشرات السنين، كانت الحياة السياسية في كل من بريطانيا والولايات المتحدة تعتمد نظام الحزبين، اللذين يتداولان السلطة في ما بينهما. ويصعب القول بوجود فوارق جوهرية في البرامج والاتجاهات الفكرية بين الثنائيات الحزبية. لكن التميز بين هذه الأحزاب كان يتمثل في برامجها الانتخابية.

وقد تأثرت الحياة السياسية في فرنسا بهذا التيار في أواخر القرن الماضي. وبعد أن كانت المعارك الانتخابية الفرنسية تتميز بتعددية حزبية واسعة تشمل كافة قوى اليمين واليسار، بدأت منذ منتصف الثمانينات تقتصر على حزبين.

وفى الانتخابات البرلمانية البريطانية الأخيرة رصدنا انهيار نظام الثنائية الحزبية، وقد تكون الأزمة الاقتصادية التي تسببت في تزايد الدين الحكومي بنسبة تزيد على 68 بالمئة، وعجز الميزانية الحكومية الذي وصل إلى 167 مليار جنيه، العوامل التي أدت لتراجع شعبية حزب العمال.

إلا أنها لا تفسر ـ وفق قواعد اللعبة البرلمانية الغربية ـ ظهور قوة حزبية ثالثة تنافس القوتين التقليديتين وهما العمال والمحافظين.

ولم تشفع برامج الضمان الاجتماعي لتحسين المدارس والمستشفيات والتي كانت عبئا على خزينة الحكومة في دعم نفوذ حزب العمال، بل إن فضائح البرلمانين كانت من الأسباب التي أدت لتراجع شعبية العمال.

ويذهب العديد من المراقبين إلى أن ظهور حزب الديمقراطيين الليبراليين يعود إلى فشل الحزبين الأساسيين في تحقيق مطامح الناخب، ما اعتبره البعض خطوة نحو الحفاظ على تداول السلطة في نفس الإطار السياسي والاقتصادي.

وربما تأتى في إطار إجبار القوى السياسية على التقارب، باعتبار أن وجود قوة سياسية ثالثة، غالبا ما يؤدى فشل كافة الأطراف في الحصول على الأغلبية التي تمكن الفائز من تشكيل الحكومة، ما يدفعهم للتحالف بهدف تشكيل الحكومة.

وبصرف النظر عن مختلف الآراء والتحليلات لدوافع ظهور قوة ثالثة في الحياة السياسية للبلدان التي طالما كان محرك العمل السياسي فيها تداول السلطة بين حزبين كبيرين، إلا أن هذا الوضع لا يعكس أزمة سياسية فحسب، وإنما يعبر عن أزمة بنيوية.

إذ إن فشل النظام السياسي القائم في تحقيق مطامح ورغبات الناخبين، يجعله يلجأ لعملية خداع سياسية بإبراز قوة جديدة ثالثة، غالباً ما تكون نتاج انقسام من الأحزاب الفاعلة، لتجتذب قطاعات من القواعد المساندة للأحزاب القائمة والقطاعات التي أصيبت بإحباط من رموز العملية السياسية.

إلا أن هذا الخداع السياسي لا يستمر طويلاً لأنه لا يقدم جديداً للناخب. كما أن القوة الجديدة لا تحقق انجازات، والسبب أنها تتبنى نفس السياسات السائدة مع تعديلات طفيفة. إضافة إلى أنها تشق تكتلات أنصار القوى الأخرى، ما يقلص من حجم أنصار الأحزاب المتنافسة ويضعفها سياسياً، ويؤثر سلباً في قدراتها في إدارة شؤون البلاد.

وبات واضحا أن الساحة الأوروبية اليوم وبعد الأزمة المالية العالمية، التي أثرت بشكل كبير في نفوذ الأحزاب التقليدية، بدأت تظهر فيها أحزاب من هذا النوع لاستقطاب القطاعات التي أصيبت بإحباط من جراء سياسات القوى التقليدية. ويقابل هذا الوضع تمركز للنفوذ في الحياة السياسية في بلدان أوروبا الشرقية.

ما يمكن اعتباره عودة للنظام السابق في هذه البلدان، بعد أن خاض الناخبون فيها تجارب التعددية الحزبية في الحياة السياسية وبشكل صارخ، ولم تسفر سوى عن مزيد من الأزمات الاقتصادية والسياسية التي هددت وتهدد هذه البلدان بالانقسام.

لا شك في أن تجارب التعددية الحزبية تشهد تغييرات نوعية من حيث الشكل وربما المضمون، ويحدد اتجاهات هذه التغييرات الوضع السياسي والاقتصادي لكل بلد. ما يعبر عن وجود أزمة سياسية في هذه البلدان سببها فشل الأحزاب التقليدية في إنقاذ النظام من أزماته. وعدم تمكنها من تحقيق مطامح الناخبين.

ويبدو واضحا أن التغيرات السياسية التي شهدها المجتمع الدولي خلال السنوات الماضية، والتي كانت نتيجة لأزمات النظام العالمي الجديد، وانهيار القطب السوفييتي، تدفع نحو تغيير جذري في خارطة الحياة السياسية. إذ إن التركيبة السابقة بدأت تفقد مصداقيتها في الشارع السياسي، وتعانى من ابتعاد الناخب عنها، والبحث عن بدائل أخرى للتعبير عن ذاته وتحقيق مصالحه.

كاتب ومحلل سياسي أوكراني

vladi1949@mail