أيام معدودات تفصلنا عن العيد العشرين لقيام الجمهورية اليمنية، وإعادة وحدة الوطن، والتي توج بها الشعب اليمني صبيحة الثاني والعشرين من مايو عام 1990م، مسيرة نضاله الوطني وتضحياته السخية التي قدمها على دروب التحرر والانعتاق من عهود الكبت والاستبداد الإمامي الكهنوتي والتسلط الاستعماري، وعوامل التجزئة والتشظي، التي أغرقت الوطن في دوامة العنف ودورات الصراع والاحتراب حتى جاء ذلك اليوم ليطوي مآسي وويلات التشطير إلى الأبد، ويفتح أمام شعبنا أبواب عهد جديد هو العهد الوحدوي الديمقراطي مستنداً إلى رصيد هائل من الإسهامات الخيرة لكل أبناء اليمن، الذين أدركوا أن كل تطلعاتهم في مسار التاريخ المعاصر ستظل مرهونة باستعادة لحمتهم الوطنية التي ارتبط بها مدهم الحضاري بكل خصائصه وتنوعاته الإنسانية على مدى كل الأزمنة. وجدير بنا ونحن نستقبل هذه المناسبة العزيزة والغالية على كل يمني أن نحرص على أن يأتي الاحتفاء بها نوعيا وفريداً يليق بعظمة الوحدة والتحولات التي أحدثتها في حياتنا، والإنجازات الكبيرة التي تحققت في ظل الجمهورية اليمنية الفتية. ومن الوفاء والإجلال ليوم الـ22 من مايو العظيم، أن يرقى خطاب منظومة العمل السياسي والحزبي على اختلاف توجهاتها وتعدد مشاربها الأيديولوجية إلى الدلالات القيمية والوطنية التي حملها الإنجاز الوحدوي، وبما يجعل من العيد العشريني محطة لتقويم الذات والسمو على الصغائر ومثالب المناكفات والمكايدات الحزبية والإعلامية وما أحدثته من ثقوب سوداء في مجريات العمل السياسي، مستشعرين حقيقة أننا جميعا أبناء وطن واحد، وأن من في السلطة أو في المعارضة يجمعهم في الأول وفي الأخير هذا الوطن الذي لا وطن لهم غيره. ولا عيب أن يعترف من جربوا أساليب المشاغبة والتنطع على الديمقراطية وحق الاختلاف مع الآخر بأن العناد والمكابرة وركوب الموجة لم يحققوا من ورائه شيئاً، بل أنهم على العكس من ذلك تسببوا في تحجيم أحزابهم التي تحولت بفعل تلك الممارسات إلى مجرد ظاهرة صوتية، هدفها لفت الأنظار، مع أنه كان بوسعهم استغلال تلك الطاقات التي أهدروها في المناكفة والكيد في بناء قدرات كياناتهم الحزبية وإكسابها المزيد من الفاعلية والتأثير في الواقع الاجتماعي وكسب تأييد الجماهير لها وثقتها في برامج هذه الإحزاب. وكما أسلفنا ليس عيبا أن يعترف المرء بأنه قد أخطأ في تقديراته وحساباته وأدائه وأساليبه، ولكن العيب كل العيب في الاستمرار في الخطأ والإمعان فيه، والتمادي في المكابرة والعناد. وكما فهمنا وفهم كل من تابع كلمة فخامة الرئيس علي عبدالله صالح رئىس الجمهورية، في افتتاح الملتقى الوطني الأول لشباب الوحدة بمحافظة عدن فإن القيادة السياسية حريصة كل الحرص على أن يكون احتفالنا بالعيد الوطني العشرين تدشيناً لمرحلة جديدة من الصفاء والنقاء، ومناسبة لتجاوز صفحات الماضي بكل منغصاته وإشكالياته وبدء صفحة جديدة ينصب فيها الاهتمام والتركيز على النهوض بالوطن في مختلف المجالات والأصعدة، وبما يكسبه المزيد من المنعة والاقتدار، وينتقل به نحو غاياته المنشودة، جنبا إلى جنب مع إعلاء شأن الإنسان اليمني، عن طريق إعداده وتأهيله التأهيل السليم، وتأمين العيش الكريم له. وفي لحظة فارقة كهذه فإن الأسبقية والريادة ستحسب لمن يتحلون بشجاعة هذه المرحلة وينطلقون بإرادة إيجابية في الاتجاه الصحيح مغلبين مصلحة الوطن العليا على مصالحهم الذاتية، أما من سيتخلفون عن الركب عبر إغراقهم في النرجسية والأفكار الماضوية، فإنهم سيعزلون أنفسهم عن معطيات هذه المرحلة الجديدة التي لن تقبل بأن يكون الماضي على حساب المستقبل، باعتبار أن الماضي قد ولى وصار في خانة الذكرى، أما المستقبل فهو الآتي وكل الرهانات تقوم عليه وليس على غيره. ولكي نكسب رهان هذا المستقبل فلا بد وأن يستشعر كل مواطن مسؤولياته أمام وطنه، وأن هذا الوطن يستحيل له أن ينهض بالأمنيات وإنما بالعمل الدؤوب والإنتاج والجهود الصادقة والمخلصة، وإنه ولكي يتجاوز هذا الوطن إشكالياته العالقة والتي يتصدرها تهدايدات آفة الإرهاب والممارسات التخريبية والفوضوية التي تسعى من خلالها بعض العناصر المتخلفة والانفصالية إلى إعادة اليمن إلى القرون الوسطى وإعاقة مسيرته التنموية مع قناعتنا بأن هذه العناصر الضالة والمتطرفة ما كان لها أن تظهر بنتوءاتها الخبيثة على السطح لو لم تجد من يتماهى معها من القوى السياسية التي انساق بعضها في اتجاهات متعرجة، ومنهم أولئك الذين خرجوا علينا بالدعوة إلى إعادة النظر في الوحدة الاندماجية تحت مبررات واهية تتصادم مع إرادة أبناء الشعب اليمني من أقصى جغرافيته إلى أقصاها، وهم بذلك يكشفون أنهم يفتقدون إلى الصواب، إن لم يكونوا بذلك يروجون بضاعة الانفصاليين الكاسدة، ممن لفظهم شعبنا إلى مزبلة التاريخ. ونقول لأولئك السياسيين أن الوحدة ليست «شور وقول» وإنما هي قدر ومصير هذا الشعب وضرورة من ضرورات حياته وإنجاز مثل تحقيقه أرقى أشكال الاستجابة لتطلعاته وأمانيه في العزة والكرامة وتأمين غده الأكثر إشراقاً وتطوراً وازدهاراً. ومن العيب أن نجد من يطالب هذا الشعب بتخريب يبته بيده..!!
