يظن الكثيرون أن أي إعلام تشرف عليه الحكومة أو السلطة، هو بالضرورة إعلام منحاز وغير موضوعي وغير نزيه ولا فائدة من ورائه. كما يرى آخرون أن أي نشاط علاقات عامة تقوم به الإدارات الحكومية أو الشركات الخاصة، ما هو إلا تلميع للمؤسسة وأنشطتها المختلفة، وإبراز الإيجابيات وإخفاء الأخطاء والسلبيات والتجاوزات والتستر عليها.

هذه الأفكار تنتشر كثيرا في العالم العربي، وقد يكون جزء منها صحيحا، لكن التعميم هنا يعتبر خطأ فادحا. فالمشكل يكمن في الرؤية والاستراتيجية والممارسة، وليس في المبدأ نفسه. فالسلطة التي لا تتقن الاتصال والإعلام، لا تستطيع أن تتفاهم مع رعاياها ومع العالم. والمؤسسة التي لا تتقن العلاقات العامة بالمفهوم العلمي والممارسة السليمة، لا يكتب لها النجاح والتفوق والتميز.

فالإدارة التي تحترم جمهورها تتواصل معه بكل شفافية ونزاهة ومسؤولية، من أجل مصلحة الجميع. فليس كل نشاط إعلامي حكومي منحازا وغير موضوعي، وليس كل نشاط علاقات عامة يعني بالضرورة التلميع وكسب الرأي العام بأي طريقة وبأي وسيلة.

فالإعلام الحكومي الذي يعمل حسب الأصول والمعايير العلمية، يهدف إلى إنشاء قنوات تواصل بين الحاكم والمحكوم، ويهدف إلى توفير المعلومة للجميع بصدق ومسؤولية، من أجل توفير سبل اتخاذ القرار السليم.

كما يهدف إلى الكشف عن الأخطاء والهفوات والتجاوزات، من أجل تداركها وإصلاحها. فالإعلام هنا مطالب بأن يكون «أداة للبناء والتصويب، وليس معول هدم وتخريب» على حد قول صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، أثناء زيارته للمكتب الإعلامي لحكومة دبي.

فمن مهام الإعلام الحكومي تزويد المؤسسات الإعلامية والرأي العام، بكافة المعلومات والأخبار التي من شأنها أن تساهم في بعث عملية البناء والتشييد والتنمية المستدامة في جميع مجالات الحياة. والهدف هو توفير المعلومات وفتح قنوات مباشرة للحوار والنقاش وتبادل المعلومات، بهدف التفاهم والتناغم بين صانع القرار ومنفذ القرار.

فغياب التواصل بين المؤسسة الحكومية والشعب، وغياب قنوات الاتصال بين المؤسسة وجماهيرها، يعني غياب المعلومة وغياب التواصل، والنتيجة سوء التفاهم وانتشار التأويلات الخاطئة وتضارب المعلومات...الخ، مما يؤدي إلى عرقلة النمو والبناء والتنمية الشاملة.

في الأسابيع الماضية طالعنا بعض الصحف الإماراتية بعدد من المقالات، حول إشكالية العلاقة بين وسائل الإعلام وإدارات وشركات العلاقات العامة المختلفة. المقالات شنت حملة عنيفة ضد استغلال وابتزاز إدارات العلاقات العامة لوسائل الإعلام.

حيث تزودها يوميا ببيانات صحفية وأخبار من أجل النشر وتسجيل الحضور الإعلامي وكسب الرأي العام. ويرى منتقدو هذا النوع من العلاقات العامة، أن نسبة كبيرة من الأخبار التي تنشر في الصحف مصدرها وكتابها ممارسو العلاقات العامة. والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: أين يكمن الخطأ؟

وأين دور الصحافي في التأكد مما ورد إليه من أخبار؟ وأين دوره ومسؤوليته في غربلة ما يصلح للنشر وما هو مفيد للرأي العام، وما هو غير صالح ومجرد بهرجة إعلامية بهدف التلميع والمدح والتسبيح؟

الإشكالية التي طرحها الزملاء الصحافيون في الإمارات موجودة في جميع بلدان العالم، والصراع والتوتر وتضارب المصالح موجود وقائم بين المؤسسات الإعلامية وإدارات وشركات العلاقات العامة.

لكن هذا لا يعني أن كل إدارات وشركات العلاقات العامة غير صالحة ولا تقوم بدور فعال في المجتمع، كما أن هذا الوضع لا يمكن تعميمه على الجميع، فهناك الصالح والطالح في معظم المؤسسات والشركات في العالم.

فهدف العلاقات العامة هو الوصول إلى الجمهور والرأي العام عن طريق وسائل الإعلام، للتعريف بالمؤسسة وأنشطتها وإنجازاتها ونجاحاتها، وهذا شيء مشروع وقانوني.

أما المؤسسة الإعلامية التي تشتكي من تحايل إدارات العلاقات العامة عليها لابتزازها واستغلالها، فما عليها إلا أن تكون صارمة وترمي بالبيانات الصحفية التي لا تتوفر على المصداقية والمعلومة النافعة للرأي العام، في سلة المهملات.

فالمطالبة بإلغاء إدارات العلاقات العامة وعدم التعامل معها، أمر غير معقول وغير منطقي، لأن هذه الإدارات هي حلقة الوصل بين المؤسسة وجماهيرها المختلفة، والمؤسسة ووسائل الإعلام.

من جهة أخرى يجب النظر إلى إدارات العلاقات العامة على أنها حليف وليست عدوا. بعبارة أخرى، يجب التعاون بين الصحفي من جهة وممارس العلاقات العامة من جهة أخرى، من أجل تحقيق هدف مشترك، وهو خدمة الحقيقة وخدمة المصلحة العامة للمجتمع.

فعلى الصحفي الذي يعتمد على بيانات إدارات وشركات العلاقات العامة، أن يعترف بأنه قد أخّل بالعقد الذي يربطه بالجمهور والمجتمع، وقصّر في حق الرأي العام والمصلحة العامة، ولم يقم بعمله على الوجه المطلوب من الاستقصاء والبحث عن المعلومة والتأكد منها، والتخلص من بيانات التلميع والتطبيل.

ومن هنا نستنتج أن الإشكال المطروح بين ممارسي العلاقات العامة من جهة، والصحفيين من جهة أخرى، هو إشكال يمكن حله وتذليله عن طريق التزام المؤسسات الإعلامية والصحفيين بالمهنية والحرفية، والجرأة الكافية لوضع حد للابتزاز والاستغلال وبيانات التلميع التي تخرج عن إطار أخلاقيات المهنة واحترام الجمهور والرأي العام.

ليعلم الصحفيون وممارسو العلاقات العامة، أن عملهم يتقاطع ويلتقي في خدمة الحقيقة والمعرفة والمعلومة والمصلحة العامة.

فيجب أن يكون هناك تكامل، وليس تضادا وصراعا لا يستفيد منه أحد، ويكون أول ضحاياه الجمهور والرأي العام. فالعلاقات العامة هي أفعال قبل أن تكون أقوالا، ولذلك يجب على شركات وإدارات العلاقات العامة التركيز على التعاون المثمر والفعال مع وسائل الإعلام، وليس الاستغلال.

أما الصحفي فمن حقه أن يستعين بشركات وإدارات العلاقات العامة، لكن دون الاعتماد عليها كليا وعدم القيام بدوره في البحث والتنقيب على المعلومة والحقيقة والتأكد مما يُقال ويُقدم له.

عميد كلية الاتصال، جامعة الشارقة

mokirat@sharjah.ac.ae