حاول البشر أن يسبروا خفايا الطبيعة وأسرارها . وأن يسيطروا عليها بواسطة العلم.. أمّا اليوم فلعلّ إحدى أكبر المعضلات التي تواجههم هي السيطرة على العلم نفسه. فبواسطة العلم وثمراته التكنولوجية . حقق البشر تقدّما هائلا في اتجاه خدمة الإنسانية . ولكن اخترعوا أيضا وسائل إمكانية تدميرها.

إن أسلحة الدمار الشامل . وفي مقدّمتها السلاح النووي . هي قبل كل شيء اختراع إنساني . واختراع أثبت «فاعليته» في المرّة الأولى والوحيدة التي جرى استخدامه فيها . ذات يوم من شهر أغسطس عام 1945 . عندما قصف الطيران الأميركي مدينتي هيروشيما وناغازاكي اليابانيتين بقنابل ذريّة.

حسم ذلك السلاح الحرب العالمية الثانية . ورفع اليابانيون رايات الاستسلام. لكن انطلق في الوقت نفسه السباق المحموم بين الكبار الآخرين من أجل امتلاك السلاح الجديد . على خلفية ألا تكون الولايات المتحدة الأميركية هي وحدها صاحبة امتياز ملكية هذا السلاح الحاسم.

وهكذا امتلكته سريعا روسيا السوفييتية وبريطانيا وفرنسا . وفي وقت متأخر قليلا الصين. هذه الحكاية معروفة للجميع . ولكن منعطفات الطريق النووي لاحقا ورهاناته القريبة والبعيدة . معروفة بدرجة أقل.

في عام 1968 جرى التوقيع على اتفاقية الحد من انتشار السلاح النووي . التي اعترفت رسميا بوجود القوى النووية الخمس المذكورة. أمّا البلدان الموقعة على الاتفاقية . وعددها اليوم 189 بلدا في العالم .

فقد تعهّدت بعدم العمل على امتلاك السلاح النووي. والتزمت الدول المالكة له في المقابل . بالتفاوض الجدّي والحثيث حول منظور النزع الكامل لهذا السلاح المدمّر. لكن لم يتم قطع مسافة تُذكر في هذا السبيل . والكل يعرف أن الهند وباكستان وإسرائيل . ومؤخرا كوريا الشمالية .

تمتلك هذا السلاح . وهي ليست في عداد البلدان الموقعة على الاتفاقية. وفي مطلع الأسبوع الماضي شهدت مدينة نيويورك انعقاد المؤتمر الدولي الدوري كل خمس سنوات . الذي تشارك فيه البلدان الموقعة على اتفاقية الحد من الانتشار النووي . من أجل مراجعتها وتقييم ما آلت إليه من نتائج على ضوء تطورات الواقع.

ولا شك أن الملف النووي الإيراني كان الحاضر الأكبر فعليا . على جدول الأعمال وفي الرؤوس أيضا. ولا جديد في ما قيل من آراء بهذا الصدد . فمواقف الأطراف معروفة ومعلنة. لكن المشكلة الأساسية ليست فقط في المشاريع النووية المستقبلية . وإنما هي أيضا وأساسا في الترسانات النووية القائمة وما تحمله من خطر على العالم.

إن الأسلحة النووية الموجودة في العالم اليوم . تمثل خطر انتحار جماعي. الإحصائيات المعروفة والمنشورة . تقول إنه يوجد في العالم اليوم ما بين 22000 و23000 رأس نووي تعادل قدرتها في التدمير . نظريا . ما يساوي 1 .5 إلى 2 مليون طن من الديناميت لكل إنسان.

وفي نهاية عقد الستينات الماضي لم تكن هناك سوى خمس قوى نووية . امّا اليوم فهناك تسع. التهديد غدا أكبر حسابيا وواقعيا . وسيكون أكبر وأخطر أمام احتمال زيادة الانتشار النووي. وبكل بساطة . عندما يزداد عدد البلدان المالكة لأي سلاح . تزداد احتمالات استخدامه . وليس بمقدور أحد أن يضمن تصرّف جميع أصحاب القرار النووي بنفس القدر من العقلانية والمسؤولية.

ولا يمكن لأحد كذلك أن يضبط مسبقا ردود أفعال البشر . وإلى أي مدى قد يدفعهم تمسّكهم بما يعتقدون أنه الصواب. الخطأ الإنساني من طبيعة البشر . والخطأ التقني يبقى قائما مهما بلغت دقّة آليات الضبط . لكن في الميدان النووي قد يصبح الخطأ خطيئة قاتلة.. ونهائية.

مثل هذه الاعتبارات لم تكن غائبة بالتأكيد عن الفكرة التي أطلقها الرئيس الأميركي باراك اوباما في إبريل من العام الماضي . تحت عنوان عريض هو «عالم بدون أسلحة نووية». هذه الفكرة وجدت الرد عليها مباشرة من قبل الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي . الذي لم ير في فكرة نزع السلاح النووي من العالم سوى مجرّد «حلم» ينتمي إلى «عالم افتراضي». الخلاف في الخطاب يقوم على خلاف في مفهوم الردع نفسه . لكنّ هذا حديث آخر.

المعضلة التي يواجهها مالكو السلاح النووي . هي أنهم يريدون من جهة الاحتفاظ به كعنصر تفوّق حاسم . ومن جهة أخرى لا يملكون سبل الحماية المطلقة منه . وبالتالي يسعون للحد من انتشاره. في مثل هذا السياق . وفي ما هو أبعد من الملف النووي الإيراني . يرتسم في الأفق توجهان أساسيان.

ظهرت ملامحهما في مؤتمر نيويورك الأخير . يتجسّد أولهما في المطالبة بالحد من انتشار الأسلحة النووية . وينادي الثاني بنزعها الكامل من العالم. هذا التوجّه الثاني تمثله خاصّة بلدان الجنوب . التي أصبح صوتها مسموعا أكثر فأكثر على الساحة الدولية.

في كل الحالات . وأمام التطوّر الخطير الذي يرتسم في أفق مستقبل العالم . ورغم السياسات السائدة اليوم . ليس هناك مخرج آمن للإنسانية غير النزع الكامل والشامل للترسانة النووية.. لكن متى؟

كاتب سوري ـ باريس

mohaklouf@yahoo.fr