بريطانيا بعد الانتخابات البرلمانية

بريطانيا بعد الانتخابات البرلمانية

كما في سبعينيات القرن الماضي (1974)، فإن ما خرجت به الانتخابات البرلمانية البريطانية الأسبوع الماضي، يعكس حالة سياسية واقتصادية جديدة انتابت الناخب البريطاني نحو الحزبين السياسيين الرئيسيين: العمال والمحافظين.

وهي حالة لا تعكس فحسب عدم رضى الناخب البريطاني حيال ثلاثة عشر عاما من حكم حزب العمال البريطاني، وإنما تعكس كذلك موقفا آخر قد يعبر عن عدم الرضى، ولربما الثقة، في الأحزاب المعارضة الأخرى، وتحديدا حزب المحافظين. وهو يعبر كذلك عن عدم رضى شمل في ذلك الطبقة السياسية البريطانية التي تعاقبت على الحكم منذ الثمانينيات حتى الآن.

وقد كانت التوقعات تذهب إلى أن حزب المحافظين لن يكتسح الانتخاب، ولكنه قد يحصل على غالبية تؤهله لتشكيل حكومة دون صعوبات تذكر، فإذا بالانتخابات تأتي به عاجزا عن تشكيل الحكومة دون الاستعانة بأطراف سياسية أخرى. وأعتقد أن أيا من الحزبين التقليديين لن يتمكن من استعادة قوته السياسية التقليدية في الحكم، فكلاهما قد بدأ في عدّه التنازلي، وإن كان أحدها أبكر من الآخر.

وقد يقول قائل إن انتخابات عام 1974 قد قادت إلى حكومة ذات أغلبية ضئيلة، تمكن بعدها حزب المحافظين من إعادة الانتخابات والفوز بمقاعد أكثر مكنته من أن يكون وحده في الحكم. وأعتقد أن سنوات حزب المحافظين في النصف الثاني من السبعينيات حتى نهاية التسعينيات، قد شكلت المزاج السياسي والثقافي البريطاني في الفترة اللاحقة حتى الآن.

وإذا كانت قوة المحافظين بلغت أوجها خلال عهد مارغريت تاتشر، التي وصلت قوتها وتأثيرها أنه بات يطلق على مرحلتها «التاتشرية»، فقد دخلت «المرأة الحديدية» في صراع كسر عظم مع النقابات العمالية في منتصف الثمانينيات، وخرجت منها كاسرة لشوكة الأقوى منها في ذلك الوقت: نقابات عمال المناجم.

وبفعلها لم يتم فحسب إضعاف القيادات النقابية المتشددة واليسارية، وخروج النقابات العمالية البريطانية كرقم مهم في العمل السياسي، وإنما في إطار ذلك تم إضعاف الجناح اليساري داخل حزب العمال.

وعندما عاد الحزب بعد ذلك للحكم في انتخابات عام 1997، فإنه قد عاد إليها في ثوبه السياسي الجديد، الذي لم يختلف من حيث الجوهر في القضايا السياسية والاقتصادية عن حزب المحافظين.

وإذا كان حزب المحافظين قد خرج من الحكم في التسعينيات منقسما على نفسه فاقدا لبوصلته السياسية، فإن حزب العمال هو الآخر يخرج من الحكم فاقدا لبوصلته، وبالتالي قوته الأولى التي جاءت به للحكم قبل ثلاثة عشر عاما.

وقد عكست الانتخابات الأخيرة في بريطانيا مجموعة من الأمور تمثل الحالة البريطانية الآنية. فهذه الانتخابات تأتي في وقت بدا فيه الأداء الاقتصادي، بفعل الأزمة الاقتصادية العالية وعدم جدوى السياسات المتبناة، في أدنى مستوياته.

وهو أداء قد أخرج بريطانيا من الخانة الاقتصادية ـ السياسية العظمى إلى ما دون ذلك، وهو قد أتى ويأتي معه بالضعف السياسي للتأثير البريطاني في المستوى العالمي. وهو ضعف لا يمكن مقارنة بضعفنا السياسي، وإنما يمكن مقارنته بنمو التأثير السياسي الجديد مثلا للصين وروسيا.

ويكفى القول هنا إن حجم الشكوى من انعدام التنظيم في الانتخابات البريطانية الأخيرة، قد تناسب مع الشكوى المماثلة التي نسمعها مع كل انتخابات سياسية في العالم الثالث. فرغم التطور التقني لبريطانيا، إلا أنها بدت متمسكة بالتقليدية في التصويت الانتخابي.

كما أن زيادة عدد الناخبين لم تتوافق معها زيادة في مراكز الاقتراع، فقد وجد أن مئات، بل آلافا من الناخبين أنفسهم عاجزون عن الوصول لمراكز الاقتراع في أوقاتها المحددة، أو أن الطوابير الطويلة التي بات يقف فيها الناخب بالساعات، عاجزة عن أن تصل به إلى صندوق الاقتراع في الوقت المحدد.

والأدهى من ذلك، أن تتناقل التقارير الإخبارية عدم تضمين القوائم الانتخابية للكثير ممن يحق لهم الانتخاب، وفي أن يكون هناك عراك وتدخل من الشرطة لحفظ الأمن في مراكز الاقتراع.. وهي في جلها أمور تعكس الحالة الاقتصادية والسياسية التي باتت عليها بريطانيا الآنية!

من ناحية أخرى، فإن فشل أي من الأحزاب السياسية البريطانية في الحصول على أغلبية عالية أو مريحة لتشكيل الحكومة، قد يمثل حالة سياسية بريطانية جديدة دشنت الانتخابات الأخيرة دخول بريطانيا فيها. فالأحزاب ذات الأغلبية الضئيلة، عادة ما تقود إلى حكومات ضعيفة تتنازعها رغبات وتوجهات الأحزاب الأخرى الصغيرة الداخلة في التحالف.

وهي حكومات وإن كان يُطلق عليها «حكومات التوافق أو التحالف الوطني»، إلا أن التوجهات والمواقف الخاصة بكل فصيل تضعف من الأداء الحكومي ومن القدرة على الحسم في المواقف والتطورات الهامة، وتمثل ذلك حالة الحكومات الإسرائيلية المتتالية على السلطة خلال العقد الأخير.

فعجز الأحزاب التقليدية عن تحقيق قدر كافٍ من المقاعد البرلمانية، يدفعها نحو نسج تحالفات مع الأحزاب الصغيرة وأحيانا المتطرفة، وهو تحالف لا يرفع كثيرا من كفاءة الأداء الحكومي، ولا يساعد الحكومة على رسم السياسات واتخاذ القرارات.

وهي حالة قد تقود إلى مزيد من الضعف للأحزاب التقليدية، وعجز في الأحزاب الجديدة عن تشكل قوة سياسية واقتصادية بديلة ومهمة في مرحلة التحول هذه.

كما أنها، كذلك، حالة تنعكس بالسلب على الوضع الاقتصادي والسياسي للدولة، وتعكس حالة الأفول التي تصيب قواه الرئيسية، سواء تلك الداخلة في الدولة أو الخارجة منها.

كاتب بحريني

drbaqer@gmail.com

طباعة Email
تعليقات

تعليقات