أثبتت نتائج الانتخابات البريطانية الأخيرة، أن الجالية المسلمة في الغرب عموماً قوة «كامنة»، لم تنطلق إلى الآن من عقالها لتعبر عن قوتها الحقيقية. فقد استطاع المسلمون في بريطانيا أن يضاعفوا من عدد نوابهم في مجلس العموم، من أربعة إلى ثمانية نواب، من بينهم ثلاث نساء مسلمات.
ولم يفز الثمانية على قوائم حزب العمال، وهو تقليدياً المناصر للمهاجرين والمتساهل في خصوصياتهم الثقافية، بل العجيب أن ينجح اثنان منهم على قائمة حزب المحافظين!
وهذا النجاح المظفر، إنما يؤشر إلى تحول في الجالية الإسلامية من حالة «العزوف والانزواء»، إلى حالة «المشاركة والانفتاح» على الحياة السياسية، وقد تكون بريطانيا أول غيثه، فهي تضم بين جنباتها مليوناً ونصف المليون مسلم، يشكلون 4% من القوة الانتخابية.
ويقدر عدد المسلمين في غرب أوروبا بحوالي اثني عشر مليوناً ونيفاً، وأكبر تمركز لهم يوجد في فرنسا، حوالي خمسة ملايين ونصف المليون، أغلبهم ينحدرون من دول المغرب العربي، ثم ألمانيا، حيث يعيش فيها قرابة الثلاثة ملايين ونصف المليون، غالبية هؤلاء من أصول تركية، ثم هولندا وإيطاليا، حيث تحوي كل واحدة منها المليون مسلم.
وعلى الجملة، فإن المسلمين يمثلون ثلاثة إلى عشرة في المئة من سكان الدول الأوربية الرئيسية حالياً، وهذه النسبة ستتضاعف في منتصف القرن الحالي، كما يتوقع جاك غولدستون، في مقال بعنوان: «القنبلة السكانية الجديدة» نشرته «الفورن أفيرز» الأميركية المرموقة في عدد يناير- فبراير الماضي.
إن أكبر مشكلات الجالية المسلمة في الغرب هي «أزمة الهوية» و«ازدواج الولاء»، وأكبر صعوباتها «الاندماج» في محيطها الجديد. ولا شك أن الرعيل الأول، وكان سوادهم الأعظم من المهنيين والمتعلمين، لم يجد صعوبة في تمثل الثقافة الغربية والتداخل مع المجتمع، ساعدتهم في ذلك، النظرة الدينية المتسامحة التي سادت عالمنا الإسلامي آنئذ.
بيد أن النظرة قد تغيرت مع سيادة الإسلام الأصولي وطروحات الأحزاب الدينية المتطرفة التي وجدت أرضاً خصبة لها في المهجر الغربي، حيث حرية الحركة والنشاط والدعوة.
فغدت الجاليات المسلمة تركز على أخص خصوصياتها لتتمايز به عن المجتمع الكبير، وليؤدي ذلك إلى عزلتها وتقوقعها داخل شرنقة محيطها المحدود. وبعض الممارسات الناجمة عن التركيز على «الخصوصيات» الدينية والثقافية، قد وجدت لها ردات فعل عند المحيط الأوسع.
وما إثارة منع «البرقع أو النقاب» المتداولة في أكثر من دولة غربية إلا مثال واحد على ذلك، على الرغم من أن عدد المنقبات في بلد كفرنسا ـ على سبيل المثال ـ لا يتعدى الأربعمئة امرأة، كما تشير مجلة «دير شبيغل» في 23/4/2010!!
وما زاد الطين بلة هو موجة الإرهاب التي كانت نتيجة حتمية للتطرف والتشدد، والتي شملت الديار الأوروبية بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، حيث أعقبتها تفجيرات مدريد ولندن ومحاولات خطف طائرات، وسلسلة طويلة من أعمال الإرهاب والعنف، لعل آخرها كانت محاولة تفجير سيارة مفخخة في ميدان «تايمز سكوير» في نيويورك، والتي قام بها أميركي مسلم من أصل باكستاني.
والغريب، أن الكثير من هؤلاء الذين يقومون بأعمال إرهابية أو يلتحقون بمعسكرات التدريب في باكستان وأفغانستان، إنما هم من الذين ولدوا وترعرعوا في تلك البلدان، ويعتبرون مواطنين بصفة أصلية، مما يثير شك وريبة السكان الأصليين حول جدوى منح الجنسية والمواطنة للمهاجرين، وبالذات المسلمين منهم.
بل وتتعالى هذه الأيام دعوات في الولايات المتحدة، لإسقاط الجنسية عن أولئك الذين ينتسبون لمنظمات إرهابية.إن أكبر قوة مدمرة لتنامي نفوذ الجالية الإسلامية ولعبها دوراً مهماً وحيوياً في مجتمعات المهجر، وبالتالي الاستفادة من تلك القوة لنصرة القضايا العربية، هي التطرف والإرهاب.
فشيوع التطرف الديني خلق صراعاً وانقساماً في الجالية، بين أولئك المعتدلين الذين يريدون التمسك بدينهم وإظهار وجه الإسلام الحضاري، وأولئك المتشددين الذين يرمون هؤلاء بالتبعية للحكومات، سواء العربية أو تلك التي يعيشون تحت سيادتها في مهاجرهم، كما تظهره دراسة أكاديمية تحت عنوان: «المهاجرون العرب والشرق أوسطيون في أوروبا»، لخصتها «الجزيرة نت» على مواقعها بتاريخ 16/8/2005.
إن هذا التطرف قد صب في عودة المسلمين إلى تقوقعهم ولا مبالاتهم، بالنسبة لما يجري في مجتمعات مَهَاجِرِهِم، وعلى رأسها المشاركة الفاعلة في الانتخابات النيابية والبلدية، وفي الانخراط في نشاطات المجتمع المدني.
ويرى الباحث غولدستون أن العالم الإسلامي هو الأكثر نمواً في السكان، فبين 48 دولة تعتبر في مقدمة الدول سرعة في نمو السكان، فإن 28 منها إما يمثل فيها المسلمون الأغلبية المطلقة من سكانها، أو يمثلون جالية ضخمة تربو نسبتها على ال33 من جملة السكان أو تزيد.
ولما كانت أوروبا مصابة «بالداء الهولندي» ومعناه العزوف عن الإنجاب، وبالتالي شيخوخة مواطنيها، فإنها ستكون بحاجة إلى أيدٍ عاملة فتية «تجدد شبابها»، والدول الإسلامية، يتوقع غولدستون، ستكون «المعين» الذي لا ينضب، والذي سيسد حاجاتها.
إذن، فلتحارب الجالية المسلمة التطرف، فإن آفاق الرقي والتقدم الاجتماعي مفتوحة أمامها، والدليل ما حصل في انتخابات بريطانيا.
كاتب وأكاديمي كويتي
