في كل مكان وكل زمان، يبقى الهم الأكبر لتنظيمات المعارضة هو المطالبة بتوفير الحريات العامة أو صيانة ما هو متوفر من حريات. لكن تنظيم المعارضة الرئيسي في تركيا يخالف طبيعة الأشياء.. فهو يعارض أي توجه من شأنه تقليص النفوذ الاستبدادي السلطوي للمؤسسة العسكرية.
لماذا؟ فلننظر أولا فيما جرى.
خلال الأسبوع الماضي، أجاز البرلمان التركي تعديلات دستورية تقدم بها «حزب العدالة والتنمية» الحاكم، بزعامة رجب طيب أردوغان رئيس الوزراء. وبموجب هذه التعديلات سيفرض المزيد من القيود الدستورية على سلطة جنرالات الجيش، علما بأن وثيقة الدستور نفسها وضعتها حكومة انقلابية عسكرية في عام 1980.
كما أن التعديلات سوف تطال أيضا الجهاز القضائي. وفي هذا السياق تنص التعديلات على السماح للمدعين القانونيين من غير العسكريين، بمحاكمة مدبري الانقلابات. كما تنص على نقل سلطة حظر أحزاب سياسية، من الجهاز القضائي إلى البرلمان المنتخب.
وتأتي التعديلات على هذا النحو، بعد أن وقعت صدامات سياسية وقانونية بين حزب العدالة والتنمية وحزب الشعب الجمهوري المعارض والموالي لسلطة الجنرالات، الذي عارض التعديلات بأعلى قدر من الشراسة. لكن إقرار البرلمان للتعديلات بالأغلبية ليس نهاية المطاف، فالمطلوب هو ثلثا الأصوات.
وبما أن الأغلبية العضوية التي يتمتع بها حزب العدالة والتنمية لا تبلغ مستوى الثلثين، فإن أمر التعديلات سوف يعرض على الجمهور من خلال استفتاء عام. ويجمع المراقبون على أن نتيجة الاستفتاء ستكون لصالح الحزب الحاكم، قياسا على حقيقة اكتساحه الانتخابات العامة لمرتين خلال العقد الأخير.
ولنعد إلى السؤال المطروح: لماذا تقف المعارضة التركية ضد إجراءات دستورية من شأنها ترسيخ قيم النظام الديمقراطي؟
لمدى عقود طويلة، ظل حزب الشعب الجمهوري ـ ومعه أحزاب معارضة أخرى أقل شأنا ـ يطرح نفسه على جماهير الشعب التركي، على أساس أنه «حارس النظام العلماني» الذي وضعه كمال أتاتورك منذ عشرينات القرن الماضي. وكما هو معلوم، فإن الهدف الأكبر للنظام الأتاتوركي هو تحويل تركيا إلى مجتمع غربي بنسبة مائة في المائة، بإنهاء الهوية الإسلامية للشعب التركي.
لكن الخطأ الأعظم لقادة التيار التغريبي، هو أنهم لم يتوقفوا لدراسة مغزى الاكتساح الانتخابي الذي سجله حزب العدالة والتنمية ذو التوجه الإسلامي، خلال السنوات العشر الأخيرة. ولو فعلوا لأدركوا أنه بينما تتلاشى الأتاتوركية، فإن تحولا شاملا ينتظم الشعب التركي بكل فئاته وينزع نحو استعادة الهوية الإسلامية الأصيلة.
مع ذلك يمكن القول إنهم، إذ لم يفطنوا إلى المعنى العميق لهذا التحول التاريخي العظيم، فإنهم أدركوا معناه الظاهري السطحي. فبعد فشل التيار الأتاتوركي في تجربتين انتخابيتين، يبدو الآن أنه لم يعد لدى قيادته أي استراتيجية لاستعادة السلطة، سوى تحريض المؤسسة العسكرية لتسترد لهم ما خسروه من طريق صناديق الاقتراع في الامتحانات الانتخابية.
لكن هذه استراتيجية محكوم عليها سلفاً بالخسران المبين، لأنها تتصادم مع حاضر ومستقبل النظام الديمقراطي في تركيا، مع مضي حكومة حزب العدالة والتنمية في ترسيخ الديمقراطية الليبرالية، في تجاوب مع الشروط التي ينبغي أن تستوفيها تركيا للدخول في عضوية الاتحاد الأوروبي.
ورغم أن فرصة تركيا لنيل هذه العضوية ليست واعدة، فإنه ليس في وسع قيادات الأحزاب الأتاتوركية المطالبة علنا بوقف توسيع النظام الديمقراطي على النسق الغربي، دون أن تفضح أجندتها السياسية الحقيقية التي تنطوي على تحبيذ الاستبداد الدكتاتوري العسكري، فقط من أجل المحافظة على المصالح المادية الذاتية لهذه القيادات الحزبية، تلك المصالح التي يجري الترويج لها باسم «العلمانية الأتاتوركية المقدسة».
تأسيسا على هذا كله، ليس من العسير التنبؤ بأن التيار الأتاتوركي في تركيا يعيش الآن حالة عد تنازلي متسارع الإيقاع، بينما تمضي حكومة حزب العدالة والتنمية على خط موازٍ، في نقل التحول الداخلي التاريخي إلى مستوى التعامل التركي الخارجي مع العالم.
نحن الآن إزاء تركيا جديدة تتوجه باستقلالية ديناميكية من الغرب نحو الشرق.. نحو العالم العربي والإسلامي. وأوضح ملامح هذا التحول الراديكالي يتمثل في قطع الأواصر التركية التقليدية مع إسرائيل، لصالح إرساء علاقات تعاون استراتيجي مع العالم العربي والإسلامي، ابتداء من دول الجوار، وتحديدا سوريا وإيران وعراق المستقبل.
والسؤال الذي ينبغي أن يطرح، هو: هل تتجاوب الدول العربية مع هذا التحول من أجل إقامة تحالف استراتيجي عربي ـ تركي؟
هذا التحول يتسارع، وغدا أو بعد غد سنرى المزيد من تجلياته. مع التصعيد التركي ضد إسرائيل، سوف تتحرر تركيا من أسر الهيمنة الأميركية، وسوف تنسحب تركيا من عضوية الحلف الأطلسي الغربي. وعلى خطٍ موازٍ، قد تتحول علاقة تركيا مع الصين إلى رابطة تحالفية استراتيجي.
فهل تستطيع الدول العربية استثمار هذه المتغيرات الإيجابية؟
كاتب صحفي سوداني
hisham200775@yahoo.com