التنميط بين الرجل والمرأة

التنميط بين الرجل والمرأة

العلاقة بين الرجل والمرأة تحكمها أشكال تنميطية عديدة ومتنوعة في عالمنا العربي، وغالباً ما ترتبط هذه التنميطات بأشكال سلبية يطلقها نوع على نوع آخر.

فللرجال تنميطاتهم، كما للنساء تنميطاتهن الأخرى. والرأي عندي أن التنميط مردود على الطرفين؛ فكلاهما يرتبطان بسياق اجتماعي واحد، هو سياق التخلف ببنيته الأبوية المتسلطة، واضعين في الاعتبار هنا أن الأبوية لم تعد رهناً بممارسات الرجل فقط، بل تشمل أيضاً ممارسات الأنثى.

كيف ينظر الرجل إلى المرأة في عالمنا العربي؟ وكيف تنظر هي أيضاً إليه؟ وما هي أشكال التنميطات الناجمة عن ذلك؟

تتأسس التنميطات الغالبة بين الطرفين، على قاعدة الاستبداد القائمة بين أي من الطرفين تجاه الطرف الآخر. فالسياق الاجتماعي بمواضعاته المختلفة، يحدد طبيعة التنميطات الخاصة به.

فكل طرف يريد أن يفرض رؤاه وتصوراته المختلفة، بشكل قد لا يرضي أو يعجب الطرف الآخر. وهنا تنشأ عملية التنميط وما يصاحبها من جوانب قد تكون صحيحة أو خاطئة في الوقت نفسه؛ فكل عمليات التنميط ليست بالضرورة صحيحة كلياً أو خاطئة كلياً.

أبرز تنميطات المرأة للرجل تتعلق بالاستبداد؛ فالرجل مستبد وظالم ويتمتع بحريات لا تتمتع بها المرأة. وهو تنميط شائع بحكم البنية الاجتماعية التي تمنح الرجل مساحات أوسع من الحرية والسلوك، ورغم ذلك يظل ذلك تنميطاً شائعاً من خلال وجود نساء مستبدات وظالمات ويتمتعن بحريات، مثلهن في ذلك مثل الرجال، وإن بنسب أقل منهم.

كما أن حرية الرجل مرتبطة بتنميط آخر من قبل النساء، يصب في النيل الأخلاقي منه، وهي تهمة تنميطية يسهل للمرأة النيل بها من الرجل، إن عجزت عن إيجاد تنميط آخر له؛ فالرجل منفلت ولا يهتم سوى بإشباع غرائزه ونزواته، ولا تحكمه أية قيم أو قواعد أخلاقية.

واللافت للنظر أن الجانب الأخلاقي هو أسهل أشكال التنميط في عالمنا العربي بين النوعين، ففي الوقت الذي يسهل فيه تنميط الرجل أخلاقياً، فإنه يسهل تنميط المرأة أخلاقياً.

وفي مجتمعات تسود فيها الادعاءات الأخلاقية التي تبدو في معظمها أقرب للمظاهر منها للسلوكيات الحقيقية، فإن التنميطات الأخلاقية تصبح هي الأكثر انتشاراً وجاهزية. ولعل ذلك يفسر أيضاً حالة التدين المفرطة التي يحرص الكثيرون على إظهارها، بغض النظر عما تشتمل عليه من تناقضات سلوكية أخرى.

كما يفسر أيضاً تعقب البعض للبعض أخلاقياً، والبحث عن نواقصهم ورصدها والتحقق منها. وعموماً فتنميط المرأة أخلاقياً أكثر كلفة لها في مجتمعاتنا الأبوية من تنميط الرجل؛ ففي بعض المجتمعات العربية قد يكلفها هذا النوع من التنميط حياتها.

ومن أبرز أنواع التنميطات الأخرى المرتبطة بكلا الجنسين، ما يرتبط بالخشونة والنعومة في ما بينهما. وهي مسألة مهمة، لأن اتهام المرأة بالخشونة أو الرجولة ينتقص منها، كما أن اتهام الرجل أيضاً بالنعومة أو الأنوثة ينتقص منه أيضاً. وهو تنميط يرتبط بمواضعات البنية الأبوية التي تضع معايير صارمة لما يتعلق بالذكورة والأنوثة.

وعموماً فإن هذا التنميط قد يبدو صحيحاً بدرجة أو بأخرى، وينفي في أحيان كثيرة المتعارف عليه من نعومة المرأة وخشونة الرجل. فهناك رجال يبدون أقل حدة من النساء، وهناك نساء يبدون أكثر حدة وإلحاحاً وتبجحاً من الرجال أنفسهم.

ولعل ذلك يخرج بنا عن النمط المتعارف عليه للمرأة كنموذج للدعة والسكون، لينتقل بنا إلى مستويات وأشكال جديدة أخرى، أبرزها المرأة المسترجلة، وما يرتبط بذلك من سلوكيات جديدة تضعها في خانة الرجال.

لقد تغيرت السياقات الاجتماعية في العالم العربي بشكل كبير، وتغير معها واقع كل من الرجل والمرأة على السواء، وهي أوضاع أدت بدرجة أو بأخرى إلى تغير الواقع المحيط بالرجل بشكل عام، والمرأة بشكل خاص. وهو ما يستدعي عدم الوقوف على التنميطات القديمة المرتبطة بكل منهما، وإلصاقها بكليهما، بقدر ما يستدعي الوقوف على أشكال التنميطات الجديدة المرتبطة بتحولات البنية الاجتماعية المختلفة.

إضافة إلى ذلك، لا بد من مراعاة الفروق البينية جغرافيا بين قُطر وآخر، وبين منطقة وأخرى. فمن المهم هنا عدم إلصاق التنميطات النخبوية بين النوعين، بكل من الرجال والنساء في العالم العربي. فهناك بيئات نائية ريفية وأخرى حضرية، وهناك مجتمعات منفتحة وأخرى محافظة، ولكل من هذه الأنواع تنميطات مختلفة خاصة بها، وتختلف بالضرورة عن غيرها من البيئات الأخرى.

يساعد وضع هذه الاختلافات البيئية في الاعتبار، على الوقوف جدياً على ملابسات العلاقة بين الرجل والمرأة في عالمنا العربي، والمشكلات القائمة في ما بينهما، وهي مسائل تقود بالضرورة إلى التعرف إلى العديد من المشكلات الناجمة عن ذلك، من طلاق وتفكك أسري وعنوسة وعنف وجريمة، وغيرها من المشكلات الأخرى الناتجة عن سوء الفهم المرتبط بالتنميط المسبق.

كاتب مصري

salehabdelazim@hotmail.com

طباعة Email
تعليقات

تعليقات