شِبه «الاجتياح الأمني» الذي شهده العراق أول من أمس، يحمل أكثر من رسالة خطرة ومستعجلة. ساحة عملياته المتنوعة الواسعة، وتوقيته، فضلاً عن حرفيته، ودرجة التنسيق العالية التي حكمت هجماته؛ كلها تنذر بأن الوضع بات مهدّداً بانفلات حبل العنف، وربما بالانزلاق السريع نحو هاوية الفتنة.وهذه المرة بأشرس وأعنف مما حصل في السابق.

وقوع ثلاثين هجوماً، في غضون ساعات معدودة، استهدفت مواقع أمنية ومدنية في مناطق مختلفة من البلاد، امتدت من الشمال إلى الجنوب، مروراً بالعاصمة، ليوقع أكثر من مئة قتيل وأربعمئة جريح؛ ليس مجرد واحد من أيام التفجير التي اعتادها العراق. خاصة وأن هذا التطور بالغ الخطورة، يأتي في أعقاب فترة تحسّن أمني ملحوظ؛ وإن تخللته حوادث نوعية بين الفينة والأخرى. وأخطر ما فيه أنه ضرب ضربته، وسط أزمة سياسية متفاقمة، أفرزتها نتائج الانتخابات.

فهذه الأخيرة مرّ عليها أكثر من شهرين، من دون أن تؤدي إلى تأليف حكومة جديدة. المعادلة التي انتهت إليها، تحوّلت إلى مأزق. الاتصالات والمفاوضات التي جرت حتى الآن، لتشكيل ائتلاف قادر على كسب الأكثرية المطلوبة في البرلمان؛ لم تسفرا عن نتيجة. بالعكس، تبدو الأزمة وكأنها تدور في حلقة مفرغة، بعدما تحولت إلى صراع على كرسي رئاسة الحكومة.

دروس التجارب، خاصة في العراق، تقول إن الفراغ السياسي والاستقرار لا يتعايشان. العملية السياسية تعثرت في السابق، بسبب المحاصصة. الآن، ثمة خوف من أن تكون قد صارت أسيرة لعبة الشطب والإلغاء. الأمر الذي يهدّد بطول أمد الفراغ. على الأقل هذا ما يوحي به المشهد وانسداداته الراهنة. وفي ذلك أرضية خصبة لانتعاش العنف، والرجوع إلى دورته الدموية المفجعة. وما وقع يوم الاثنين، ينذر بذلك.

منذ فترة طويلة بقيت أعمال العنف محصورة أساساً في العاصمة بغداد. تركت الانطباع بأنها تراجعت، وربما في طريقها إلى التلاشي، بسبب تضافر عوامل عدة؛ أمنية وسياسية. عودتها، وبهذه القدرة على الاقتحام، وفي هذه اللحظة بالذات؛ لا يمكن فصلها عن المأزق السياسي. قطع الطريق على استفحال هذه العودة، مفتاحه في الخروج من الأزمة وتغليب مصلحة العراق على المنصب. وهذه مسؤولية كل القوى العراقية.