منذ خريف سنة 2009، جاءت أزمة الديون العامة اليونانية التي تعدت قيمتها 440 مليار دولار، على شاشة رادار الأسواق المالية، لترخي بظلالها على الأسواق وتنعكس تدهورا في سعر العملة الأوروبية الموحدة «اليورو».
الأزمة اليونانية بات الخبراء يشبهونها بأزمة الرهن العقاري التي اندلعت في الولايات المتحدة سنة 2007، وبثت الفوضى والذعر في الأسواق. وهذا ما جعل الأزمة اليونانية تلقي بظلالها على منطقة الوحدة النقدية والاقتصادية الأوروبية، التي تواجه أعتى أزمة لها على الإطلاق، منذ طرح العملة الأوروبية الواحدة قبل عشرة أعوام، والتي تتعرض لهجوم في الأسواق، حيث تدهور معدل صرف اليورو يوم الخميس 6 مايو الجاري إلى نحو 27 .1 دولار، وهو أدنى مستوى له منذ مارس 2009. فالاستقرار الذي كان ينعم به اليورو، كان يغطي في الحقيقة على الانزلاق في المالية العامة للبلدان الأوروبية.
وكان وزراء المال لمنطقة اليورو أقروا يوم الأحد 2 مايو الجاري، خطة لمساعدة اليونان تنص على إقراضها 110 مليارات يورو على ثلاث سنوات، منها 80 ملياراً من منطقة اليورو، والباقي من صندوق النقد الدولي، وذلك بعد ساعات من توقيع أثينا اتفاقاً مع الصندوق والأوروبيين، يفرض عليها تطبيق خطة تقشف علاجية قاسية، تنطوي على تضحيات مؤلمة للشعب اليوناني، لإنقاذ البلاد من الإفلاس.
فاللجوء إلى الاقتراض من صندوق النقد الدولي لإنقاذ العملة الموحدة اليورو، هو إهانة لأوروبا التي عجزت عن معالجة أزمتها بمفردها، لا سيما أن الولايات المتحدة الأميركية هي المساهم الأول في صندوق النقد الدولي، وها هي تسرع لنجدة اليورو الذي كان المنافس القوي للدولار، وكان يهدد بإسقاط إمبراطوريته. فأوروبا التي كانت تتباهى بأنها القوة التجارية الأولى في العالم، لم تكن متضامنة كفاية، وموحدة، ومنسجمة، لكي تتجنب اللجوء إلى صندوق النقد الدولي، الذي هو عادة مخصص للدول الضعيفة والمفلسة.
إنها أزمة هوية، فاليورو الذي كان من المأمول أن يقرب بين الشعوب الأوروبية، إذا به مع الأزمة اليونانية أصبح يُبَاعِدُهَا عن بعضها بعضاً، بل ويمزقها. إنه الانبعاث للأنانية القومية للسياسة الاقتصادية الألمانية، التي تعتقد أن جيرانها من البلدان الأوروبية يسعون للتخفف من عجز موازناتهم، بالسطو على جيوب الألمان. هذا ما عبر عنه أستاذ جامعة ميونيخ اولريش بِكْ، حين قال: إذا كان المارك عملة القوة الألمانية، فينبغي أن يكون هذا شأن اليورو.
ووطنية المارك لا تنفك من اليورو، المهدد اليوم بالانهيار، والسياسة الألمانية، منذ انفجار الأزمة، تتخلى عن أساسها منذ الحرب الثانية، وهو الحرص على التنسيق مع الشركاء الأوروبيين، وتضحي به، باسم أوروبا، على مذبح «استقرار اليورو» (صحيفة لوموند 12 إبريل 2010).
وتخشى الدول الأوروبية من انتقال عدوى الأزمة اليونانية إلى دول أخرى، ولا سيما البرتغال وإسبانيا وبدرجة أقلّ أيرلندا وإيطاليا، مما سيجعل منطقة اليورو أمام وضعية غير مسبوقة، وقد تكون بمثابة بداية تفككّها الفعلي. وتوجّه الدوائر الأوروبية اتهامات مباشرة للمضاربين وبعض المصارف ووكالات الاقتراض، ولا سيما الأميركية، بأنها تغذي الأزمة الحالية لإلحاق أكبر قدر من الضرر بمنطقة اليورو والعملة الأوروبية.
وقد أدّت الأزمة اليونانية بالأوروبيين إلى مناقشة مسألة الحاكمية الاقتصادية في منطقة اليورو، فالأزمة اليونانية كشفت مكامن خلل كثيرة في النظام الذي وُضِعَ عقب إطلاق العملة الأوروبية.
هناك خللان تجب معالجتهما بسرعة: الأول يتعلق بمراقبة العجز في الموازنات؛ فمنذ سنوات لم تقل اليونان الحقيقة عن وضعها المالي، كما أن الأوروبيين تظاهروا بعدم رؤية الوضع المالي في هذا البلد الأوروبي. الثاني، وهو الأخطر، أن الاتحاد الأوروبي لم يضع أية آلية في حال اندلاع أزمة أو إفلاس بلد أوروبي، سواء من أجل دعمه أو من أجل معاقبته (باستثناء بعض المخافات التي لم تطبق أبداً).
ويجد هذان الخللان مصدرهما في التفسير التالي: لقد كان خلق العملة الأوروبية (اليورو) ناجما عن إرادة سياسية لرؤساء دول وحكومات عدة بلدان أوروبية، ولا سيما ألمانيا عندما قبلت التضحية بعملتها الوطنية المارك، الذي كان يمثل الرمز الحي لقوتها الاقتصادية التي حققتها في النصف الثاني من القرن العشرين.
كاتب تونسي
tawfik-m@scs-net.org