فقد العالم العربي، قبل أيام، مفكرا استثنائيا، في زمن يغيّب فيه العقل والفكر. لذلك، جاء الفقد مزدوجا مع غياب البدائل، إذ لن يحل مكانه مفكر مماثل أو من يعوض فقده لوقت طويل. فالفلسفة لم تعد تدرس في كثير من البلدان العربية، والمفتون والدعاة حلّوا محل المفكرين وعلماء الاجتماع والنفس. ولم يعد مجال الثقافة والإعلام يرحب بالفكر الجاد والنقدي.

ولذلك، يزداد الإنسان حسرة مع رحيل كل مفكر متميز. وقد غادرنا خلال السنوات القليلة الماضية عدد من الشخصيات العالمة، من أمثال: إدوارد سعيد، وأحمد الربعي، وهشام شرابي، وعبد الوهاب المسيري، ومحمود أمين العالم، وفؤاد زكريا. وتظل مشكلة الفجوة أو الفراغ قائمة، ويأتي رحيل محمد عابد الجابري، بسبب انتاجه الغزير العميق، ليزيد الأزمة.

ورغم كتابات الجابري المبكرة عن الثقافة والتعليم في المغرب، ومشاركته في تأليف مقررات الفلسفة؛ فإنه يمكن اعتبار نهاية الثمانينيات وبداية التسعينيات من القرن الماضي هي: حقبة أو زمن الجابري بامتياز، حين بدأ اسمه يملأ الدنيا ويشغل الناس، سلبا أم إيجابا. وطبعا، كان لكل واحد جابريه، أي ما يمكن أن يأخذ من أفكاره وكتاباته بطرف. وكان إعجابي، نسبيا، بكتاب: فكر ابن خلدون.. العصبية والدولة، بسبب التخصص.

ولكن كان افتتاني، لو صح التعبير في هذا السياق، بكتاب: العقل السياسي العربي.. محدداته وتجلياته. ويأتي إعجابي من كوني أعيش في دولة يدعي أصحابها، أنها إسلامية. ومن هنا يساعدني الكتاب في فهم: كيف يشتغل عقل أصحابها؟ وأراحني كثيرا، ثالوث: القبيلة والغنيمة والعقيدة، في شكله المعدل والمحدّث؛ في فهم جوهر الشكل السياسي الحاكم.

ويؤكد (الجابري) أنه ليس هناك نظام في الحكم شرّع له الإسلام. وظلت مسألة الحكم مسألة اجتهادية، ومثل كل مسألة اجتهادية، فإن الاجتهاد فيها يختلف باختلاف الظروف والمصالح. ومن المهم التوقف مليا عند موقف (الجابري) من الدولة في الإسلام؛ فهو يقدم درسا سياسيا هاما من أحداث «الفتنة». ويقول عنها إنها كانت تعبيرا عن فراغ دستوري كبير في نظام الحكم الذي قام بعد وفاة النبي (ص).

ويتجلي هذا الفراغ، حسب معاييرنا الدستورية والسياسية السائدة، في القضايا الرئيسية التالية: عدم إقرار طريقة واحدة مقننة لتعيين الخليفة، عدم تحديد مدة ولاية «الأمير»؛ وعدم تحديد اختصاصات الخليفة. ويصل أخيرا، إلى أنه: «ليس هناك نظام في الحكم شرّع له الإسلام، وإنما قام مع تطور الدعوة المحمدية، نظام اعتمد في البداية «وعقب وفاة النبي (ص) نموذج الأمير على القتال، وكان ذلك ما يحتاجه الوقت وتفرضه الظروف».

(لمزيد من التفاصيل، كتاب العقل السياسي العربي، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، 2004، ص 371). ويطالب بإعادة بناء الفكر السياسي في الإسلام، انطلاقا من إعادة تأصيل الأصول التي تؤسس النموذج الذي يمكن استخلاصه من مرحلة الدعوة المحمدية، ويعني بذلك الشورى. وهنا تبدأ محاولات (الجابري) التوفيقية، التي عرضته لكثير من النقد. فهو يري أنه في العصر الحاضر، لا يوجد غير أساليب الديمقراطية الحديثة، والتي يرى أن تقرها الشورى وتعمل بها.

ومن الملاحظ أنه يدمج شكلين للحكم ليسا متطابقين تماما. فالشورى مفهوم يختلف عن الديمقراطية، لو أردنا الدقة وتحديد المفاهيم. ورغم أنه ينقد ما يسميه: المكبوت الاجتماعي والسياسي، والمتمثل في ثالوث: القبيلة والغنيمة والعقيدة، والذي ما زال يعمل حتى اليوم. ويتأرجح (الجابري) بين النقد الشامل والدخول في الحداثة، وبين دعوته لضرورة التأصيل. ومن هذا الموقف غير المحسوم يفهم رفضه للعلمانية، واعتبارها مفهوما غربيا لا صلة له بالسياق العربي ـ الإسلامي.

تعرض مفهوم «العقل« لدى (الجابري) لكثير من النقد، وخاصة من جورج طرابيشي الذي خصص كتابا كاملا بعنوان: نظرية العقل، وعنوان آخر: نقد نقد العقل العربي. وبالفعل يبدو استخدام مصطلح العقل، وكأنه يتحدث عن معطى، ثابت، وجوهري. بينما يفترض أن يكون الحديث عن العقلية أو الفكر أو التفكر، خاصة وأن ميزة (الجابري) هي في كونه الرائد في التفكر في التفكير العربي.

وأخذ (طرابيشي) عليه، أنه قام بالتعامل مع «العقل« العربي، مجزأ، وبطريقة لا تاريخية ولا جدلية. وأهم ما في نقده اتهامه للجابري بأنه كان أقرب إلى السجال منه إلى النقد، أو الحرب الايديولوجية منه إلى مستوى النقد الابستيمولوجي (المعرفي). وهذا بالمناسبة أقسى ما يمكن أن يوجه إلى مفكر مغربي. فاتهام غلبة الايديولوجيا على المعرفي، اسوأ تهمة توجه إلى كاتب، خاصة وأن هذا الوصف يحتفظ به لوصف «المشارقة»، ضمن سجال عقل المغرب مقابل «لا عقل» المشارقة.

وقع (الجابري) في السنوات الأخيرة لحد بعيد في الايديولوجيا، مما أضعف كثيرا من مواقفه الفلسفية الرصينة والمتماسكة. وقد دخل في كثير من المواقف المتناقضة والممارسات النافرة. وقد يكون لهذا التحول أسبابه في خلفية المفكر السياسية.

وقد تكون ميزته في وقت ما، قد صارت عيبه أو ضعفه. فقد كنا نمجد (الجابري) بأنه ليس مفكرا منعزلا يعيش في برج عاجي، كما درج القول. فقد كان من الكوادر النشطة في حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، وكان له تأثيره الواضح ـ بالطبع مع آخرين ـ في أن يكون حزب المثقفين المغاربة.

ورغم ابتعاده عن النشاط المباشر، إلا أن الحزب حين شارك في السلطة، قدم النابغين في الاقتصاد والقانون والشعر كوزراء. ولكن هذه الخلفية السياسية الايجابية في وقت ما، قد تكون سببا في مواقف سياسية مثيرة للجدل لاحقا، وبالتحديد بعد حرب الخليج الأولى. فقد وقع الكثيرون في خطأ تمجيد الدكتاتورية كوسيلة لتحقيق الوحدة العربية.

ظل (الجابري) بسبب مواقفه القومية مضافا إليها توقه إلى التأصيل، وهو الذي كتب مبكرا: نحن والتراث، قراءات معاصرة في تراثنا الفسفي (1980)، ثم: التراث والحداثة.. دراسات ومناقشات (1991)، غير حاسم في قضايا معاصرة شديدة الأهمية. ومن هذه القضايا: العلمانية، فقد كان يتجنب الاعتراف بهذا المفهوم في السياق العربي ـ الإسلامي، ولم يحاول أن يعطيه مضمونا ذا خصوصية يتكيف مع الواقع العربي الذي يتهدده شبح الدولة الدينية. كما لم يحاول، وهو القادر على نحت أو صك المفاهيم الجديدة لوصف ما يريده في العالم العربي ـ الإسلامي.

واكتفي بترديد مفهوم الدولة المدنية، مع غموضه والتباسه في كثير من الأحيان. وينطبق نفس الشيء على الديمقراطية وحقوق الإنسان، فهو يبحث باستمرار عن الخصوصية والتأصيل. يلاحظ أن كتابات (الجابري) الفكرية قبل الأخيرة، تبدو وكأنها زيارة جديدة لكثير من القضايا والأفكار التي عرضها عصر العولمة والتحولات السريعة، في حراك يقتضي إعادة مناقشتها على ضوء المتغيرات الحديثة.. وهذه ظاهرة عادية في العالم العربي. ولكن (الجابري) سيرة حياة خصبة ومغامرة، لا نستطيع منها فكاكا حين نفكر في الواقع العربي.

كاتب وباحث سوداني

ssc_sudan@yahoo.com