ثمّة رمزية معيّنة للاحتفالات التي تقام كل عام بمناسبة الانتصار على النازية، يجب التوقف عندها بجدية وحذر، نظرا لما تحمله من معان عميقة. واحتفالات هذا العام التي جسّدت الذكرى اليوبيلية الخامسة والستين، لم تكن استثناء في هذا المجال، بل حملت في طيّاتها الكثير من الرمزيات المهمة التي تعكس واقعا حافلا بالتطورات المختلفة.

وإذا أمعنّا النظر في ساحة المعركة الرئيسية التي شهدت فصولا بطولية وتاريخية من ملاحم القتال المجيد، أي في أوروبا، نرى أن إفرازات تلك المرحلة، في ما يخص التطور الجيو ـ سياسي، قد تبخّرت كليا ولم يبق منها سوى عناوين وتفاصيل مكتوبة في كتب التاريخ، أو شهادات مختلفة تحتل خزائن المتاحف العسكرية، التي لم تعد تجذب الكثير من الزوار كما كانت الحال في السابق.

وتكفي نظرة سريعة على الخارطة الجغرافية والسياسية الآنية، للتعرّف على دفة التاريخ الحديث والاطلاع من خلالها على ما تختزنه من تطورات مقبلة قد لا نعرف نتيجتها النهائية الحتمية، لكننا نبقى قادرين على ملامسة واقعها بموضوعية، انطلاقا من تجارب الشعوب ومعاناتها على أكثر من صعيد.

لكن يبقى هناك، بكل تأكيد، من يريد التقوقع في دائرة العجز عن قراءة أفق التطور، لأنه مصر على الإقامة في أدبيات الفكر والإيديولوجيا البالية.فحامل راية القضاء على الفاشية، الاتحاد السوفييتي السابق، أصبح فصلا من فصول التاريخ وتحول إلى جمهوريات متباعدة الانتماء والتوجه، بينما لم تتمكن الدول البارزة بعده، وفي مقدّمتها روسيا الفدرالية، من التصافي كليا مع الإرث الثقيل الذي حملته بالنيابة عن جميع الدول الأخرى المتناثرة.

لكن، للانصاف، يجب الاعتراف للقيادة الروسية ببعض المواقف الشجاعة، لا سيما تلك الهادفة لتوضيح بعض الفصول المأساوية التي لا تزال تلقي بظلالها القاتمة على العلاقات مع بعض الدول الأوروبية، ومنها بولندا وتشيكيا والمجر وغيرها.

ولعلّ أبرز تلك المواقف الشجاعة تمثّل بما صدر مؤخرا عن الرئيس الروسي ديميتري ميدفيديف، من إدانة واضحة للزعيم السوفييتي جوزف ستالين وأعوانه، بسبب مسؤوليتهم عن مذبحة «كاتين» التي قتل فيها ما لا يقل عن عشرين ألفا من نخبة الشعب البولندي.

وتضاف هذه الإدانة بالطبع إلى سلسلة من الانتقادات الصادرة في وقت سابق عن قيادات روسية مختلفة (غورباتشوف، يلتسن، بوتين)، بخصوص مجازر أخرى ارتكبها ستالين باسم الاشتراكية، وراح ضحيتها ملايين البشر من السوفييت أنفسهم، لكن أيضا من الشعوب الأوروبية الأخرى.

لماذا التذكير بهذه المآسي؟ بكل بساطة لأن الموضوعية التي تغلغلت مؤخرا إلى نفوس أصحاب القرار في موسكو وغيرهم من الأكاديميين والعلماء والمفكرين، قد ساعدت في إماطة اللثام عن كثير من الحقائق التاريخية المهمّة التي كانت مخفية قسرا، بالرغم من أنها ساهمت في إيصال التطور التاريخي إلى ما هو قائم حاليا. ولو أن الاعتراف بالمسؤولية عن مجزرة كاتين وغيرها قد تم منذ زمن بعيد، لكانت أمور كثيرة على صعيد التطور الانتمائي لدول شرق ووسط أوروبا قد سلكت منحا آخر.

مقابل هذه التطورات الجدّية التي تشهدها القارة الأوروبية، على صعيد توجيه الانتقادات الذاتية المسؤولة والدفع في اتجاه علاقات سياسية ودبلوماسية أفضل، من خلال الاعتراف بالفظائع التي ارتكبها الزعيم السابق جوزف ستالين، فاجأنا اليساريون اللبنانيون (وربما غيرهم أيضا) برفع لافتات دعائية كبيرة وضعت على جوانب الطرق الممتدة من جنوب لبنان إلى عاصمته، وهي تمجّد هذا الزعيم الدموي من خلال الذكرى اليوبيلية للانتصار على الفاشية.

وقد بدا لي أن هؤلاء الذين رفعوا تلك اللافتات، وإن كان قصدهم بريئا ربما، إنما يصرّون على التغريد خارج سرب التطورات الكثيرة التي سبقت الإشارة إليها. ومع اعترافي بحق هؤلاء وغيرهم في الاحتفال بالذكرى المجيدة، باعتبارها فصلا مهما وحاسما من فصول التاريخ البشري، إلا أنني لا أرى سببا منطقيا يدعوهم لرفع صورة ستالين، حتى وإن كان دوره أساسيا في ذلك الانتصار كقائد عسكري.

وقد يرى البعض في الحدث هامشية معيّنة، إلا أنه يختزن في الواقع أبعادا مختلفة تعكس الطريقة التقليدية جدا التي يصرّ بعض اليساريين اللبنانيين، أو من تبقى منهم، على تبنّيها حيال كثير من الأمور. وهذا يفسّر حالة التعثر التي تعتري هذا التيار على صعيد ممارسة العمل السياسي في لبنان، حيث أثبتت الوقائع في أكثر من ميدان أنه لم يتمكن حتى الآن، رغم التضحيات الكثيرة والمخلصة التي قدّمها، من إثبات نفسه كقوة أساسية مرادفة للعمل السياسي الطائفي، الذي طالما قدّم نفسه كبديل ثوري وحقيقي له.

لقد حان الوقت لدعوة هذا اليسار، لكي يتعلم من أخطائه الفادحة التي يصر على ارتكابها باسم الإيديولوجيا والتاريخ. أو على الأقل، أن يستفيد من تجارب الأحزاب اليسارية الأوروبية المعاصرة، وأن يعيد قراءة التاريخ.

كاتب لبنانيش

ezzedine@volny.cz