كلما صدرت صحيفة في أي بقعة على وجه الأرض، انقشعت سحابة من تلك الغيوم التي تغطي وجه الشمس، وظهر جانب من الحقيقة التي لا تجلوها سوى الكلمة الحرة الصادقة، بغض النظر عن اتجاه هذه الصحيفة، سواء اتفقنا معها أو اختلفنا، لأن للحقيقة جوانب كثيرة علينا أن نعرفها جميعا، كي نصل إلى الوجه الأقرب لما تقتنع به عقولنا وترتاح إليه نفوسنا التي فُطرت على الاختلاف أكثر مما هي مفطورة على الاتفاق، منذ أن برأ الله الخليقة، وحتى يرث الأرض ومن عليها.

ومن يعرف قصة صدور «البيان» يعرف أن هذه الفكرة ليست بعيدة عنها، فقد كان صدور «البيان» قبل ثلاثين عاما، إعلانا عن ظهور منبر من منابر الحقيقة التي قد يختلف فهمنا لها، لكننا لا يمكن أن نختلف إطلاقا على مصلحة الوطن التي هي هدف نسعى جميعا إلى تحقيقه والمحافظة عليه، لأن مصلحة الوطن هي همنا الأكبر، وهي الحقيقة التي نجمع عليها مهما اختلفنا على التفاصيل أو اختلفت طرقنا في الوصول إليها.

كان صدور «البيان» في العاشر من مايو عام 1980، إضافة عددية ونوعية لصحافة الإمارات التي جاوز عمرها الآن العقود الثمانية بقليل، منذ أن أصدر المرحوم إبراهيم بن محمد المدفع، بالتعاون مع بعض الشعراء والأدباء من أبناء المنطقة، عام 1927 صحيفة نصف شهرية أطلق عليها اسم «عمان»، وكانت تكتب باليد، ثم تبعه بعض شباب دبي والشارقة فأصدروا نشرة يومية أطلقوا عليها «صوت العصافير» كانت تكتب باليد أيضا.

وحتى دخول صحافة الإمارات مرحلة الطباعة عندما أصدرت دائرة إعلام دبي التي كانت تابعة للبلدية، في السادس عشر من يناير عام 1965 نشرة «أخبار دبي» التي تحولت إلى مجلة أسبوعية، واستمرت في الصدور حتى العاشر من مايو عام 1980 لتحل محلها جريدة «البيان».

التي نحتفل اليوم بمرور ثلاثين عاما على صدورها، مستذكرين كل المراحل التي مرت بها، والتطوير المستمر في الشكل والمحتوى الذي شهدته على مدى أعوام عمرها الثلاثين، التي أزاحت الكثير من قطع الغيوم التي تغطي شمس الحقيقة والمعرفة على اختلاف أنواعها.

«البيان» رغم أعوامها الثلاثين التي تعد قليلة مقارنة بحجم الإنجاز الذي تحقق خلالها، ليست مجرد صحيفة، بل هي مدرسة أرست تقاليد جميلة في الصحافة المحلية، فقد استطاعت «البيان» أن تثبت أن العنصر المواطن قادر على العطاء في جميع المجالات الإدارية والتحريرية والفنية.

بعد أن قادت مسيرة التوطين في كل مجالات العمل الصحفي، واحتضنت الكثير من الأقلام الإماراتية التي كبرت بها ومعها، حتى غدت الصحيفة المحلية الأولى من حيث عدد الكتاب المواطنين الذين يجدون على صفحاتها مساحة للتعبير عن آرائهم، ناهيك عن عدد الذين يعملون في أقسامها الإدارية والتحريرية والفنية، الأمر الذي يدحض الادعاء بأن العنصر المواطن غير قادر على إثبات وجوده إذا ما أتيحت له الفرصة، ووجد التشجيع، وتهيأت له البيئة المناسبة للعمل.

ولا ننسى الدور الرائد الذي قامت به «البيان» في مجال التدريب، عندما أنشأت أول مركز تدريب إعلامي في دولة الإمارات، اضطلع بتدريب الإعلاميين وتحسين مهاراتهم، ليس في مجال الصحافة فقط، وإنما في جميع مجالات العمل الإعلامي من إذاعة وتلفزيون وعلاقات عامة، وكل ما يتصل بهذا المجال من إدارة للمؤسسات الإعلامية وتحليل للرأي العام وغيرهما من الموضوعات ذات الصلة بعلم الاتصال وجوانبه المتعددة.

هذا المركز الذي تم اعتماده من قبل رؤساء تحرير الصحف الخليجية خلال اجتماعهم في الكويت عام 2000، كمركز تدريب إقليمي لدول مجلس التعاون، استقطب مئات المتدربين من جميع دول المجلس، كما أقام دورات تدريبية في بعض هذه الدول، واستعان بخيرة أساتذة الإعلام وخبرائه في الوطن العربي وخارجه، لتقديم خلاصة علمهم وخبرتهم للعاملين في مجالات الإعلام المختلفة ووسائله المتعددة، ليعزز الدور الريادي لهذه الصحيفة التي اختارت لنفسها أن تكون مدرسة أكثر منها مجرد مطبوعة.

واليوم حين تحتفل «البيان» بمرور ثلاثة عقود على صدورها، فإننا نستذكر كل الذين ساهموا في إصدارها، وأولئك الذين قاموا بأدوار في مختلف مراحل مسيرة هذه الصحيفة، منذ صدورها وحتى هذه اللحظة التي نقف فيها محتفلين بإنجازها الذي يفوق سنوات عمرها، من قضى منهم، ومن مضى في دروب الحياة الأخرى بعد أن أدى دوره.

ومن لا يزال حتى الآن مقيما على العهد بين حبرها وورقها، يعانق الحرف وهو لم يزل بعد فكرة لم تلامس مداد القلم، يعيشها منذ لحظة التكوين حتى الولادة، لتنتقل إلى يد القارئ عبر الصحيفة الورقية التي يبدأ بها يومه، أو الجريدة الإلكترونية التي تخترق حدود المكان لتصل إلى أقصى نقطة في هذه المعمورة.

فقد آلت «البيان» على نفسها أن تواكب العصر وتقنياته الحديثة، دون أن تتخلى عن أصالتها وهويتها التي هي مكون رئيسي من مكوناتها، في زمن غدت فيه المواءمة بين الأصالة والمعاصرة معادلة من الصعب تحقيقها، إلا لدى أولئك الذين يؤمنون بأنهم حَمَلة أمانة يؤدونها على أكمل وجه وبكل الطرق. ولا أحسب أسرة «البيان» إلا من أولئك الذي يعرفون للأمانة حقها، ويحفظونها ويؤدونها بحب وإخلاص وتفان.

كاتب إماراتي

aliobaid4000@yahoo.com