كل هذا التصعيد التهديدي الحربي الإسرائيلي الأميركي المشترك، ضد سوريا وحزب الله وحماس في غزة، هو بالتأكيد تصعيد مبيت منهجي مع سبق الاصرار، وهو تصعيد ارتقى على لسان وزيرة الخارجية الأميركية إلى مستوى «حرب إقليمية»، بل إن وزير الحرب الإسرائيلي الجنرال إيهود باراك استحضر في المؤتمر السنوي للجنة اليهودية الأميركية في واشنطن.

الذي تكلمت فيه وزيرة الخارجية الأميركية، مصطلحات صهيونية حربية، فقال: «ان إسرائيل تستشرف الغيوم الكثيفة تتلبد في الأفق؛ حماس جنوبا، وحزب الله شمالا، وايران بطبيعة الحال». والغيوم المتلبدة لدى الجنرال باراك تعني الحرب أولا وأخيرا.

ولعل مسلسل التهديدات الإسرائيلية الأميركية في الأسابيع الأخيرة فقط، يؤشر تماما إلى مثل هذا التوجه المبيت. فأميركياً، عندما يلقي وزير الدفاع الأميركي، روبرت غيتس، في ختام لقائه بوزير الأمن الإسرائيلي، باراك، بقنبلته قائلا إن «سوريا وإيران تزودان حزب الله بصواريخ وقذائف، ليصل الحال إلى أن لدى حزب الله قذائف وصواريخ أكثر مما لدى غالبية حكومات العالم».

وعندما يضيف الناطق بلسان الخارجية الأميركية، بي جي كراولي، «إن نقل صواريخ سكود من سورية إلى حزب الله يعرض لبنان للخطر»، فان في ذلك تناسقا وتنسيقا واضحا بين الاجندتين..

ليصل التصعيد الأميركي ذروة خطيرة على لسان وزيرة الخارجية كلينتون، التي «حذرت الرئيس السوري بشار الأسد من حرب إقليمية، في حال تزويده حزب الله اللبناني بصواريخ بعيدة المدى من طراز سكود»، وذكّرت ب«التزام أميركا الذي لا يتزعزع بأمن إسرائيل»، مضيفة أن «الرئيس الأسد يتخذ قرارات قد تعني الحرب أو السلام في المنطقة».

وعن التهديدات الحربية الإسرائيلية حدث ولا حرج، فهي مفتوحة على لسان أقطاب المؤسسة الإسرائيلية على كل المستويات العسكرية والسياسية والإعلامية. ففي قصة تزويد سوريا لحزب الله بصواريخ سكود، وجّهت إسرائيل تحذيراً سرياً للرئيس السوري بشار الأسد، من أنها سترد على هجمات الصواريخ التي يشنها حزب الله.

بهجوم انتقامي فوري ضد سوريا نفسها، وذكرت صحيفة «صندي تايمز» أن «إسرائيل أوضحت في الرسالة التي أرسلتها، أنها تعتبر حزب الله الآن جزءاً من الجيش السوري، وأن الأعمال الانتقامية ضد سوريا ستكون سريعة ومدمّرة».

بل إن وزيرا إسرائيليا هدد قائلا «سنعيد سوريا إلى العصر الحجري، من خلال شل محطات الطاقة والموانئ ومخازن الوقود وكل جزء من بنيتها التحتية الاستراتيجية، في حال تجرّأ حزب الله على إطلاق الصواريخ البالستية ضدنا».

والرئيس الإسرائيلي شمعون بيريز، بدوره، اتهم سوريا بتزويد حزب الله اللبناني بصواريخ «سكود»، ونائب وزير الحرب الإسرائيلي ماتان فيلناي، يقول «أفضل عدم الدخول في التفاصيل، لكن كل ذلك يعكس الواقع الذي يحيط بنا، مع أعداء يفعلون كل شيء ليعززوا أنفسهم، وإسرائيل التي يجب عليها أن تكون مستعدة»، ويضيف «إن قدرات حزب الله على إطلاق النار تحسنت كثيرا، وهدفه الرئيسي هو ضرب المواقع الخلفية لإسرائيل».

وصحيفة «معاريف» عنونت صفحتها الأولى ب«إسرائيل تهدد بمهاجمة سوريا»، «إثر تزويد حزب الله بصواريخ سكود قادرة على بلوغ كل الأراضي الإسرائيلية عمليا».

والأخطر جاء على لسان وزير الخارجية الإسرائيلي أفيغدور ليبرمان، الذي حذر الرئيس السوري من أنه «سيخسر الحرب والسلطة، إذا ما شن حربا على إسرائيل»، وكان هذا التهديد الليبرماني هو الأخطر والأشد وقاحة، وأحدث ضجة كبيرة في الحلبة السياسية في إسرائيل، وأثار ردود فعل ساخطة لدى العديد من أعضاء الكنيست.

وأطلق عوديد طيرا، وهو عميد احتياط كان ضابطاً مدفعياً رئيسياً، تهديداً آخر معززاً ما ذهب اليه ليبرمان قائلا: «في حالة الحرب فان إسرائيل ملزمة بأن تضع لنفسها هدفا استراتيجيا، هو إسقاط الحكم في سوريا»..

لتصل ذروة التهديدات الإسرائيلية إلى غيوم باراك المتلبدة المشار اليها، وما وراءها من مخططات ونوايا مبيتة، تنطوي على أبعاد وأهداف سياسية وعسكرية استراتيجية، تمس كل الجبهات الفلسطينية والسورية واللبنانية والإيرانية.

المراسل والمحلل العسكري الإسرائيلي بن كسبيت، كان تحدث مبكرا عن غيوم الحرب التي تتلبد، فكتب في معاريف يقول: «إن السماء تبدو مليئة بالغيوم المتكدرة، وأصوات طبول الحرب بدأت تُسمع في خلفية الصورة»، ولكنه يتابع: «إن السوريين في أعقاب الحرب اللبنانية الثانية. ليسوا هم السوريون ما قبل تلك الحرب».

وهكذا يقول كبار ضباط المؤسسة العسكرية في إسرائيل، «لأن السوريين كونوا فكرة جديدة عن هذا الجيش بأنه جيش سمين، قليل الحركة ويمكن وصفه ب«العتيق» غير المتجدد، إلا في قوة ضرباته التي إذا تحملوها لبعض الوقت، فان نتيجة الحرب ستكون على غير ما يتوقعها رئيس الوزراء».

فطبول الحرب الإسرائيلية المتصاعدة، إذن، ضد سوريا ولبنان وغزة، هي في غاية الجدية والخطورة، فهي لا ترمي فقط للتغطية على الملف الفلسطيني الذي دخل في هذه المرحلة مأزقا تصفويا، وإنما تستهدف أيضا استثمار هذا المناخ الدولي الأميركي الطاغي، بغية تفكيك المحور الرباعي الإيراني ـ السوري ـ اللبناني ـ الفلسطيني.

وذلك إما عبر جولة حربية أخرى ضد حزب الله، والتقديرات العسكرية الإسرائيلية تعتبر هذه المسألة مسألة وقت فقط، وإما عبر حرب إقليمية ربما تشمل حزب الله وسوريا معا، أو عبر حرب استراتيجية أخطر تستهدف طهران العمود الفقري لهذا المحور، أو ربما عبر حرب إسرائيلية أخرى على غزة...

فدولة الاحتلال لا يمكنها في الحسابات الاستراتيجية، أن تهدأ أربعين عاما أو أكثر، طالما ليس هناك في الأفق أي احتمالية لأي تسوية أو انسحاب إسرائيلي، وطالما هناك انتفاضات ومقاومات، وطالما هناك قدرات عسكرية عربية تشكل تهديدا استراتيجيا للدولة العبرية.. وطالما هناك مثل ذلك المخزون الصاروخي المرعب في حوزة حزب الله. والمسألة تبقى بالنسبة لهم مسألة وقت وتوقيت، ومسألة حشد أكبر كم من المعلومات الاستخباراتية.

كاتب فلسطيني

nawafzaru@yahoo.com