على أعتاب العام الواحد والثلاثين، تقف «البيان» شامخة بكل صمود منذ أن خرجت إلى النور في العاشر من مايو عام 1980، وإن كانت في تلك الفترة بدأت وليداً يحتاج إلى رعاية، لكنها بفضل الرؤية الحكيمة لمن تعاون على إطلاقها، استطاعت أن تقف راسخة تواكب مسيرة الاتحاد المجيد في نهضته التنموية، بالكلمة الصادقة والشفافة ونقل الصورة المليئة بنبض الشارع، لتخرج بصفحات راصدة لما يجري من أحداث محلية وإقليمية وعالمية.
ومع إطلالة عقد جديد من عمر «البيان» المديد، ها هي تدخل في عصر جديد متسلحة بأحدث تقنيات الإعلام والاتصال، وبمزيد من العزم والجرأة والإرادة في مواجهة التحديات وتبني هموم الوطن ومتابعة القضايا الساخنة، سواء الإقليمية أم العالمية بكل ثقة وموضوعية، من خلال فريق عمل يخطط ويعمل وينفذ دون كلل.
وهناك من تركوا بصمة واضحة باقية، وإن غابوا عن الدنيا فإن أعمالهم خالدة وستبقى في ذاكرة من عاشوا معهم ووجدوا لهم طريقاً آخر، أو الذين ينهمكون منذ الصباح الباكر في التخطيط لما سيصدر في مضمون الصحيفة، ليعودوا مرة أخرى في فجر اليوم التالي ليشهدوا توزيعها.
لا شك أن مرور «ثلاثين عاماً و10918 عدداً»، تمثل سنوات حافلة بالعطاء شهدت الكثير من الأحداث المتسارعة التي عاشتها الدولة، وأصبحت «البيان» فيها من المحركات الرئيسية التي لها سلطة تقيم بها أهم الأحداث التي عايشها المواطن والمقيم على حد سواء، لتكون الراصد من أجل إيجاد الحلول التي تكفل الحياة الكريمة، في ظل جو من الحرية الإعلامية المضمونة من أعلى المستويات، لتصبح بذلك من الركائز ذات العلاقة التبادلية في استقبال ونقل ما يجري بكل شفافية لأصحاب القرار.
وكانت الصحيفة حريصة على أن تدخل في كل مرحلة جديدة، بتطور يناسب مستجدات المرحلة وأحدث وسائلها وأدواتها، سواء في الشكل أو المضمون الموضوعي الحيادي، خاصة بعد دخولها عصر الكتابة الالكترونية ونشر الصحيفة عبر شبكة الانترنت، حيث استطاعت أن تتواصل مع أكبر عدد من القراء حول العالم، وتتلقى الآراء والأفكار والأخبار وترسلها عبر كبسة زر لتعطيها انتشاراً أوسع.
ولا بد أن نشير هنا إلى أن ميزة الطباعة الورقية ستبقى ذات انتشار واسع، رغم التوسع في عصر الالكترونيات وإصدار الصحف الالكترونية غير الورقية، فهذا لن يطغى على مستقبل الصحيفة، بل سوف تجد دائماً من يستمتع بالنظر إلى الصحيفة كل صباح، ويتوق لتقليب صفحاتها والتزود من أخبارها، ثم العودة كلما طرأت الحاجة إلى أرشيفها.
مع كل خطوة كنت أخطوها إلى مقر «البيان»، تزداد الصلة ويتعمق الارتباط، منذ أول زيارة لي إليها في أواخر عام 1980، لتسليم مساهمة في بريد القراء وللقسم الثقافي قصة قصيرة بعنوان، «فتاة البحر».
التي كانت باكورة إنتاجي الإعلامي والأدبي، وازدادت علاقتي متانة وأصبحت تدعم أهدافي لدراسة الصحافة في جامعة الإمارات، وحظيت بشرف التعاون في إرسال وكتابة المقالات والتحقيقات الصحافية خلال دراستي الثانوية والجامعية، ونشرها في صفحة المدارس والجامعات.
وكلما كانت «البيان» تعبر بوابة جديدة في عالم الصحافة اليومية المتغيرة، كلما أحدثت معي نقلة واضحة في حياتي الإعلامية إلى الآن، وأنا أتشرف بعضويتي ضمن كتاب قسم آراء وأفكار.
إنها قصة نجاح اللؤلؤة وسط المحارة التي لم تخرج منها، ولكنها بقيت لتزداد لمعاناً بحبر من صاغوا وعبروا وأعطوا للمجتمع روحاً تنبض بالكلمة الشفافة، عبر ثلاثين عاماً من المشاركة في إبراز الهوية الوطنية والانتماء الوطني، مصحوبة بالنقد الموضوعي البناء والهادف من أجل وصول الكلمة الشفافة التي تلامس عقول وقلوب كل من اختار «البيان» لتصبح شريكاً فاعلاً في حياته.
بعد ثلاثين شمعة، لم تطفئ «البيان» هذه الشموع، ولكنها أوقدت بها مسيرة الصحافة الإماراتية الزاخرة بالنشاطات، والتي تعدت الكلمة المكتوبة والمقروءة، كما أوقدت شموع الكثيرين ممن أسرتهم وجهات النظر وأعطتهم مجالاً للاقتباس من نور خرج من بين سطور الحروف والكلمات، ومدرسة ذات خبرة عريقة في عالم الصحافة الخالية من الإثارة أو ما يسمى الصحافة الصفراء.
فكانت منبراً فكرياً جاداً في تأصيل التراث والتاريخ المحلي، بأسلوب وطني محافظ ذي رؤية عصرية تواكب عقول ومتطلبات القرن الواحد والعشرين، بعد أن نضجت وهي تدخل العقد الرابع، ولا ننسى ماضيها وأرشيفها الذي يعد الآن من أبرز المراجع الوطنية في كل ما يتعلق بالشؤون الإعلامية.
وإذا كان الصحافيون قد احتفلوا أمس بيومهم العالمي في الثالث من مايو، فإنه يحق اليوم لمن يعمل ويتعاون مع «البيان» أن يحتفل بعيد ميلادها الثلاثين، وأن يتطلع بها ومعها لمستقبل واعد، وطنياً ومهنياً.. سواء لمن دخل عالم الصحافة اليوم، أو منذ عقود وسنوات خلت.
كاتبة إماراتية
f_alsari@hotmail.com