الليبراليون الحائزون جوائز نوبل يشنّون الحروب

الليبراليون الحائزون جوائز نوبل يشنّون الحروب

في السياسة، من يرد الوصول إلى السلطة والمحافظة عليها، لا بد له في كثير من الأحيان المراوغة قليلاً في الأمور الأيديولوجية. وهكذا يقنع المحافظون الشعب الأميركي أحياناً بضرورة الإقدام على أمور ليبرالية جداً ؟ كما في ذهاب ريتشارد نيكسون إلى الصين، أو قيام رونالد ريغان بإصدار عفو عام عن المهاجرين غير الشرعيين في أميركا، أو مراكمة جورج بوش لعجوزات كبيرة في الميزانية.

والليبراليون أيضاً يمكن أن يتبنوا أحياناً مواقف محافظة دون أن يقلقوا من عواقب ظهورهم بمظهر اليمينيين متحجري الفؤاد أمام قواعدهم الانتخابية ؟ ونتذكر هنا موافقة بيل كلينتون على التوقيع على إصلاحات قانون الرعاية الاجتماعية وفرض قيود على الإنفاق الفدرالي.

لكن عندما يتعلق الأمر بالحرب، فإن الهوية الليبرالية تعتبر ميزة عظمى بالنسبة للرئيس الأميركي. فالإعلام التقليدي والنخب الثقافية تمنح الرئيس الديمقراطي بصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة تفويضاً كاملاً يندر أن تمنحه للرئيس الجمهوري. وربما تعود ازدواجية المعايير هذه إلى اعتقاد هؤلاء بأن الرئيس التقدمي لا يمضي إلى الحرب إلى على مضد، مع أن معظم حروبنا الدموية دارت رحاها تحت راية رؤساء ديمقراطيين.

وودرو ويلسون، مثلاً، أرسل ملايين الجنود إلى أوروبا وساعد في حسم نتيجة الحرب العالمية الأولى من خلال خوض مجابهات مباشرة مع الجيش الألماني. ومع ذلك نظر إليه البلد كصانع سلام مثالي. وكذلك فإن فرانكلين روزفلت وهاري ترومان، رغم قيامهما بإحراق اليابان بالقنابل وإلقاء قنبلتين ذريتين على أراضيها، كان بوسعهما الاعتماد على تأييد النخب الأميركية.

وكثيراً ما نقرن ذكر فيتنام باسم ريتشارد نيسكون، الذي ورث الحرب، لا باسم جون كينيدي، الذي كان هو من أدخلنا في هذه الحرب. كما أن قلة منا تتذكر أن بيل كلينتون لم يستأذن الكونغرس ولا الأمم المتحدة، عندما شن حملة القصف الجوي ضد قوات الزعيم الصربي سلوبودان ميلوسوفتش لإرغامه على الخضوع.

والآن يتمتع باراك أوباما، الحائز جائزة نوبل للسلام، بنفس هذا الإعفاء التقليدي من انتقادات زمن الحرب، ومن الواضح أنه يستثمر هذا الوضع بشك فعال.

كغيره من المرشحين الديمقراطيين، خاض أوباما سباق الانتخابات الرئاسية معتمداً على سلسلة من موضوعات مناهضة الحرب، حيث تحدث مراراً عن خسارتنا لحرب العراق وفشل جهود تكثيف الجهود الحربية هناك، وشدد على أن الوقت قد حان لعودة الجنود إلى أرض الوطن.

ولم تغفل حملته الحديث عن كيفية خرق الرئيس بوش للدستور بموافقتها على إقامة المحاكم العسكرية، ترحيل المعتقلين بشكل غير قانوني، فتح معسكر اعتقال غوانتنامو وإقرار عمليات التنصت على المكالمات داخل الولايات المتحدة.

وعكست خطب أوباما تلك المواقف الديمقراطية التقليدية التي عمدت في 2006 إلى استخدام الاستياء الجماهيري من الحرب كموضوع رابح للحملة الانتخابية. لكن من الواضح أن أوباما، بعد توليه مقاليد السلطة، أدرك حقيقتين مهمتين.

الأولى أن إلقاء الخطب الرنانة المناهضة للحرب كان أمراً سهلاً، لكن مسؤولية المحافظة على أمن وسلامة الأميركيين وحمايتهم من الإرهاب ليست سهلة. والثانية، إشارته الواضحة إلى أن السخط الليبرالي بشأن الحرب على الإرهاب والتدخلات العسكرية في العراق وأفغانستان كان في معظمه يتمحور حول معارضة بوش ولم يكن يعبر عن معارضة منطقية ضد سياسات الحرب نفسها.

ولذلك فبعد أوائل 2009، توقفت كل الأحاديث عن الحرب الخاسرة في العراق، والمواعيد النهائية لسحب الجنود الأميركيين الذي لا يزالون هناك حتى يومنا هذا. ولا تزال إدارة أوباما تلتزم بخطة بوش- بترايوس للانسحاب على مراحل. وعلى الجبهة الأخرى، شهدنا في عهد أوباما تصعيداً ملحوظاً في العمليات العسكرية في أفغانستان.

أما معسكر غوانتنامو فهو لا يزال مفتوحاً إلى اليوم بعد مرور 15 شهراً على وصول أوباما إلى الحكم، ومرور 3 أشهر على الموعد الموعود لإغلاقه.

ولقد شهدنا في الأشهر القليلة الأولى في عهد أوباما عمليات اغتيال بوساطة طائرات «بريديتور» الصغيرة، التي تحلق من دون طيار، أكثر مما شهدنا طيلة ثمانية أعوام في عهد بوش. وكذلك فإن عمليات ترحيل المعتقلين والمحاكمات العسكرية والتنصت لا تزال مستمرة كما كانت قبل أوباما، أو ربما حتى على نطاق أوسع.

وكما توقع أوباما على الأغلب، لم يعد هناك الآن أية احتجاجات شعبية أو أفلام أميركية مناهضة للحرب، أو مقالات رأي ساخطة تنتقد سياسات الحروب الإمبريالية أو مظاهر الدولة الأمنية التي تتبناها الولايات المتحدة. كما أصبحت الآن صيحات مايكل مور وسيندي شيهان مجرد ذكريات من الماضي البعيد.

ولقد قرأنا مرة أن الرئيس جورج بوش كان يستمتع بممارسة لعبة الغولف بينما يخوض جنود أميركا حرباً دموية في العراق وأفغانستان، لكننا لا نقرأ الآن أن أوباما قد لعب الغولف في سنة واحدة أكثر مما فعل بوش في ثماني سنوات.

من الواضح أن التقدميين خلصوا إلى نتيجة مفادها أن معارضة سياسات بوش- أوباما الخارجية الآن من شأنها أن تلحق الضرر بالأجندة الداخلية لحزبهم، وأن أوباما الحساس اللطيف يفعل أموراً وهو مضطر لفعلها على مضدد، بخلاف سلفه جورج بوش الذي كان مولعاً بالمشاكسة والحروب.

ويمكننا أن نسمي هذا نفاقاً، لكنه في النهاية يكشف عن مفارقة سياسية مثيرة للاهتمام. فالمحافظون لا يعرفون الآن ما إذا كان عليهم تسجيل النقاط ضد أوباما لتقلبه ومواربته وتسييسه لقضايا الأمن القومي في الماضي، أو امتداحه لمواصلة مساعي بوش التي يعتقدون أنها ضرورية لحماية أمننا وسلامتنا.

وربما يشعر الليبراليون الآن بشيء من الحرج، لأن كل مظاهر احتجاجهم على حروب أميركا المتواصلة ضد الإرهاب قد توقفت فجأة بقدرة قادر في يناير 2009. وبالتأكيد، فهم غاضبون من معارضة المحافظين لأجندة أوباما الداخلية بنفس الأسلوب الفظ والمشاكس الذي استخدموه هم أنفسهم في معارضتهم لسياسة بوش الخارجية. لكن كيف يؤثر هذا في أميركا عامة؟

أستاذ الدراسات الكلاسيكية والتاريخية في جامعة ستانفورد

opinion@albayan.ae

طباعة Email
تعليقات

تعليقات