مما لا شك فيه أن أحد أهم عوامل الجذب السكاني لدولة الإمارات هو الأمن والأمان، اللذين يتوافران في الدولة، بالإضافة إلى «القوانين المرنة»، التي تسمح بحرية ممارسة الحياة العامة وحرية الرأي والمعتقد وهي جميعها حريات تحميها قوانين الدولة، وهي قوانين مشتقة من القانون العالمي لحقوق الإنسان.
ومما لا شك فيه أن قوانين دولة الإمارات وخاصة تلك المتعلقة بدخول وإقامة الأجانب مرنة ولا تتسم بالصعوبة والمغالاة التي تتسم بها قوانين بعض الدول الأخرى. فليست هناك قوانين صارمة في ما يتعلق بالملبس أو ارتداء زي معين، كما لا توجد قيود على حرية الرأي والمعتقد وأنماط العيش والسلوكيات.
هذه القوانين المرنة هي التي تشيع جواً من الأمن والاطمئنان وهي التي تشجع سنوياً آلاف الزوار والسياح للقدوم إلى الدولة إما بغرض الإقامة الطويلة والاستثمار أو بغرض قضاء أوقات قصيرة سعيدة وممتعة في ربوع بلدنا.
ولغرض تشجيع الاستثمار الغربي والسياحة بصفة خاصة، عمدت معظم إمارات الدولة إلى استحداث قوانين جديدة وتحديث القديمة منها لإيجاد المرونة اللازمة بما يتعلق بدخول وعمل الأجانب وبالسلوكيات العامة للتناسب مع مختلف جنسيات القادمين وأنماطهم الحياتية والسلوكية.
بل أحياناً عدلت قوانين وسمات دخول الأجانب للتلاؤم حتى مع رغبات أولئك الباحثين عن فرص عمل، حتى وإن كانت على حساب مواطنيها. وما عدا قانوناً يدعو إلى عدم التمييز ضد المواطن هنا وقانون هناك، فإن دولة الإمارات تعد مكاناً مفضلاً للأجانب لا تختلف قوانينها كثيراً عن تلك السائدة في بلدانهم الأصلية.
فقد وفرت لهم الدولة أقصى درجات الرفاهية في الحياة ورعتهم القوانين المعمول بها في توفير الأمن والآمان. وهكذا ساعدت القوانين المرنة أحياناً وغير المفتعلة أحياناً أخرى في أن يكون مجتمعنا مسرحاً للكثير من السلوكيات الضارة وفي ارتفاع نسبة الجريمة المنظمة وغير المنظمة وأيضاً ارتفاع نسبة الجرائم الأخلاقية والأفعال المنافية للآداب وبعض السلوكيات الدخيلة على مجتمعنا.
المرونة في بعض القوانين لم تؤد إلى إحداث ثغرة في أمننا الوطني فحسب، بل قد تؤثر سلباً في أمننا الاجتماعي وفي إحساسنا بالطمأنينة في مجتمعنا. فليس كل من دخل الدولة يرغب في العيش بسلام محافظاً على أمن الدولة ومراعياً لقيمها الاجتماعية والدينية وعاداتها العربية وتقاليدها.
بل إن البعض يتصرف بشكل منافٍ للذوق العام، أو الإتيان بفعل مخل بالأمن العام، والأدهى من ذلك أن هناك من يأتي إلى بلدنا بغرض ارتكاب جرم معين كالسرقة والنصب أو التسول والدجل، وهي جرائم نسمع عنها بشكل يومي في وسائل الإعلام.
بل أحياناً يأتي البعض ببعض التصرفات الخادشة للحياء وهو مدرك تماماً أنه سوف ينفذ بجلده من العقوبة أو أنه سينال عقوبة مخففة. فمن أمن العقوبة أساء الأدب. من الواضح أن مرونة بعض القوانين لا تردع أصحاب النفوس المريضة ولا تكبح جماح الراغبين في ارتكاب عمل مخل بالأمن.
إن عدم تشديد العقوبات التي تعمل على ردع أصحاب النفوس المريضة والضعيفة، تؤدي إلى تكرار هذه الأفعال بصورة يومية وبطريقة تمثل تهديداً لأمننا القومي والاجتماعي.
فالمتتبع لوسائل إعلامنا يجد أنها تزخر بشكل يومي بأخبار من هنا أو هناك عن أجنبي دخل بنية ارتكاب جريمة، أو تصرف بشكل غير لائق أو كسر القوانين الاجتماعية. والغريب في الأمر أن بعضاً من هؤلاء مدرك تماماً لما يفعل، ولكن القدرة على تجنب العقوبة تدفعهم إلى تكرار هذا الفعل مرة تلو الأخرى.
هذا الوضع يجب أن يجعلنا نعيد النظر في قضية تشديد بعض القوانين المحلية سواء تلك المتعلق بالسلوك أو تلك المتعلقة بالذوق العام وتفعيلها إذا ما كانت غير مفعلة.
فأمننا الاجتماعي أهم بكثير من أي مورد مالي، خاصة إذا ما أخذنا في الاعتبار أننا نحتاج إلى صرف ملايين أخرى مساوية لهذا الدخل لردع أصحاب النفوس الضعيفة أو أولئك الذين يتسببون في انتهاك القوانين المرعية أو ارتكاب جرائم دخيلة على مجتمعنا.
إن الانفتاح الموجود في مجتمعنا يجب أن يكون انفتاحاً معتدلاً على ثقافة الآخر وعلى وجوده في مجتمعنا، على اعتبار أنه عضو فاعل وإيجابي، يحترم قوانيننا وعاداتنا وثقافتنا الاجتماعية، لا أن يكون عنصراً سلبياً في هذا الانفتاح.
نحن مع الانفتاح المدروس على الثقافات الأخرى وحضاراتها، ولكن ضد الانفتاح على الجريمة المنظمة والاتجار في البشر والأفعال المنافية للذوق العام والآداب وغيرها من الجرائم الدخيلة على مجتمعنا وقيمنا العربية الإسلامية.
وأخيراً يمكن القول بأننا يجب أن نكون مع الانفتاح على ثقافة الآخر التي تثري ثقافتنا المحلية لا على سلوكيات الآخر التي تسيء لأمننا القومي والاجتماعي.
جامعة الإمارات
fatimaalsaayegh@hotmail.com