المشهد التركي.. التحول الثاني للديمقراطية ممدوح طه

المشهد التركي.. التحول الثاني للديمقراطية

تشهد تركيا هذه الأيام تحركا حكوميا وبرلمانيا تحرريا نحو مزيد من الديمقراطية باتجاه إعلاء إرادة الشعب على إرادة المؤسسات العسكرية والقضائية الأتاتوركية المهيمنة على الحياة السياسية، فيما تمر هذا الأسبوع على مفترق طرق بين الديكتاتورية العسكرتارية والهيمنة العلمانية على المحكمة الدستورية بعد الانقلاب العسكري عام 1982، والتي يترجمها الدستور الحالي المخالف للمعايير الدولية، والديمقراطية الدستورية السليمة من خلال حزمة التعديلات الدستورية الثلاثينية لإصلاح الحياة السياسية وإلغاء هيمنة الأقلية العلمانية على الأغلبية الشعبية..

وإذ تبدو تركيا اليوم في هذا المنعطف الدستوري على أعتاب مرحلة تحول ديمقراطي تاريخي ثانٍ بعد التحول الديمقراطي التركي الأول بفوز حزب العدالة والتنمية ذي الجذور الإسلامية في بلد علماني في ظل دستور يعطي للعسكر وصاية غير ديمقراطية على الحكومات المنتخبة.

ويجعل من المحكمة الدستورية بقانونها العلماني بالتوجهات الأتاتوركية مانعا للحد من هذه الوصاية العسكرية، وقيدا على إمكانية تعديل الدستور وفق المعايير الديمقراطية الحقيقية، فإن طريق هذه العملية التصحيحية الذي يصل في جرأته إلى حد المغامرة رغم وعورته، إلا أنه يستمد مشروعيته وقوته من الدعم سواء من الغالبية الشعبية أو من الغالبية البرلمانية معا.

وتبدو مؤشرات نجاح حكومة حزب العدالة والتنمية برئاسة رجب طيب أردوغان في تمرير مشروعها لإصلاح الدستور وتوفير مزيد من الديمقراطية للحياة السياسية هي الأرجح سواء من البرلمان مباشرة إذا حصل على غالبية الثلثين (367 صوت)، أو بالاستفتاء الشعبي إذا حصل على 330 صوتا، إذ بدأ االبرلمان التركي في بدء جلسات التصويت على المواد الثلاثين المطلوب تصحيحها في جولتها الثانية منتصف الأسبوع الماضي والذي ينتظر أن يتم إعلان نتيجته نهاية الأسبوع المقبل، وذلك بعدما نجحت الحكومة في الأسبوع قبل الماضي في نيل موافقة البرلمان بالغالبية على القراءة الأولى لهذه التعديلات الديمقراطية.

وبينما حصل مشروع التعديلات على ما يتراوح أكثر من 330 صوتاً، وهو العدد الذي كان كافياً للانتقال إلى الجولة الثانية الحاسمة، وفي محاولة مناوئة لمشروع الإصلاح الديمقراطي،أعلن حزب الشعب الجمهوري (الأتاتوركي العلماني المعارض) أنه سيقدم طلب اعتراض إلى المحكمة الدستورية (التي يحكمها حاليا قانون علماني)، وذلك في حال مصادقة الرئيس التركي عبدالله غول على حزمة التعديلات، وذلك لإلغاء حزمة التعديلات قبل طرحها للاستفتاء.

وفي حال اعتراض حزب الشعب الجمهوري على حزمة التعديلات، فإن الاستفتاء عليها سيتأخر الى حين بت المحكمة الدستورية في طلب الاعتراض، خصوصا وأن المحكمة الدستورية نفسها معنية بالأمر إذ تتضمن حزمة التعديلات مواد تتعلق بتغيير بنيتها وزيادة عدد أعضائها.

ويجمع المراقبون على أنه إذا تصدت المحكمة الدستورية لنظر دستورية هذه التعديلات بناء على اعتراض حزب الشعب الجمهوري الذي يمثل أكبر الأحزاب المعارضة في البرلمان لحكومة حزب العدالة والتنمية الحاكم وزعيمه رجب طيب أردوغان، فإن الحياة السياسية التركية ستواجه وضعا صعبا، إذ إن المحكمة الدستورية في هذه الحالة التي تنظر فيها تعديلات تصحح أوضاعها ستكون الخصم والحكم في آن واحد، وإذا رفضت المحكمة طلب الحزب المعارض بالاعتراض على التعديلات الدستورية وذلك غير واضح فسوف تجتاز تركيا مرحلة غير كاملة الديمقراطية إلى مرحلة الديمقراطية السليمة.

أما إذا اعترضت المحكمة وقد يبدو هذا هو الأسوأ وربما الأقرب للتوقع، فهذا من شأنه دخول الحياة السياسة في معترك جديد بين أنصار الديمقراطية وأنصار العلمانية ربما يقود إلى الفوضى، وقد يضعف ذلك من قوة حزب العدالة ويؤثر سلبا على موقف أردوغان.

لكن أهم ما في المشهد السياسي التركي الحالي، هو أن الغالبية الإصلاحية الديمقراطية داخل البرلمان هي تعبير عن إرادة الغالبية الشعبية خارج البرلمان، وأن الأقلية العلمانية الأتاتوركية التي تمثل الأقلية داخل البرلمان (97 عضوا)، هي انعكاس لنفس الأقلية الشعبية في الشارع التركي، بما يعني أن أي استفتاء على الشعب سيكون في صالح الإصلاح والتغيير الديمقراطي.

كاتب مصري

mamdoh77t@hotmail.com

طباعة Email
تعليقات

تعليقات