ما بين ثقافة التاريخ وثقافة النص بون شاسع يفصل بينهما كما تفصل المسافة الثابتة بين خطين متوازيين لا يلتقيان أبدا، فثقافة التاريخ أو الثقافة التاريخية تدخل في مضمار العلم ومناهجه وأدواته ورؤاه التي لا غنى عنها ساعة قراءة حالة أو تجربة إنسانية ما وعندما يكون المطلوب هو سبر أغوار الحقيقة على طريق الارتقاء بالإنسان والأخذ بيده نحو آفاق أرحب.
بمعنى آخر، إن قضية الثقافة التاريخية قضية لا يرقى إليها الشك وفائدتها المرجوة غير قابلة للجدل.
لكن إذا كانت مسألة الثقافة التاريخية تعتبر من الأدوات البحثية والعلمية المسلم بضرورتها وفائدتها في ميادين العلوم الاجتماعية والإنسانية فلماذا تطرح على بساط البحث إذا؟
عندما يطرح التاريخ في إطاره العلمي والطبيعي فإن المسألة هنا تدخل في باب الضرورات العلمية، لكن المشكلة تكمن في حالة الخلط الرائجة بين الثقافة التاريخية نفسها من جهة وبين ثقافة النص التاريخي من الجهة المقابلة.
وهما مفهومان متباعدان تماما ولا يمتان لبعضهما بأي صلة إلى حد التناقض والتناحر، لا بل إن استخدام النص التاريخي شكل على الغالب ممارسة غير بريئة على الإطلاق سيما عندما يستخدم مطية لتمرير مقولات وممارسات وأنظمة تخدم النخب الحاكمة أو الشركات الكبرى وذلك من باب اللجوء إلى القوة اللينة التي غالبا ما تترافق مع القوة القاسية بغية إبقاء تلك النخب في أماكنها.
حيث لا ضير في أن ترفع مصالحها على هامات الأفكار والقناعات والإيمان وما إلى ذلك من أدوات فكرية وعقائدية تسير جنبا إلى جنب مع بقية الأدوات السلطوية والربحية.
لقد أصبح النص التاريخي في عيون وأذهان دعاة ثقافة النص مجرد أداة يتم اللجوء إليها على الطلب وفق حاجات سياسية واقتصادية غالبا ما تكون ضيقة ولا تخص إلا أقلية جل همها ينحصر في ديمومة بقائها متربعة على العروش مستعينة بذلك بجيوش جرارة من المنظرين والأيديولوجيين والعقائديين والإعلاميين المحترفين الذين يقومون بعملهم ليل نهار ونرى صورهم ونسمع أصواتهم ونقرأ كلماتهم في كبريات وسائل الإعلام حول العالم.
ومثلما استغلت المعتقدات والأديان على مر التاريخ في رفع سوية الحاكم والسيد والإعلاء من شأنهما وتعظيم قدرهما وقدرتهما، استغل النص التاريخي على النحو ذاته، إن لم يكن على نحو أشد وطأة، وقال المتقولون ولا يزالون إن تلك الممارسة من ضرورات الثقافة التاريخية ومن باب التثقيف بمكونات موروث الأمم والشعوب.
لكن كم من قضية مررت على مذبح مقولات ثقافة نص راح يتحول ويتقولب ويتحور وحتى يزيف أحيانا وتفصل مقولاته ومفرداته على مقاس هذا الحاكم أو ذاك أو هذه القوة أو تلك، بدءاً بأوروبا الكاثوليكية وصولا إلى الحركة الصهيونية مرورا بالكثير من الأنظمة السياسية والشركات الكبرى التي لا شرعية لوجودها بعيدا عن ذلك الاستغلال البشع للنص التاريخي.
من أخطر مفرزات تمجيد النص التاريخي على عواهنه هو الدخول في حالة سبات ذهني قد يطول أجلها بعد إلغاء العقل وقدراته اللامحدودة ووضعه في مجمدة التاريخ وتركه هناك حتى يتصلب ويأخذ شكل قوالب جاهزة ومقولات مسبقة الصنع سريعة التحضير على طريقة الوجبات السريعة التي تقدم للفرد في إطار ما يعرف بعملية ال«ماكدونالايزيشن» أي جعل العالم على شاكلة ماكدونلاز والفرد وقودا لعجلة التقليد الأعمى، بحيث يصبح هذا الفرد مكشوفا أمام نظام يسعى إلى تكريس نفسه بشتى الوسائل.
