استقبلني مبتسماً ومصافحاً بحميمية بالغة وسألني عن حياتي وتصوراتي للمستقبل وأجبته بنفس الحميمية والابتسامة، إلى أن وصلنا إلى سؤال الوظيفة، أخبرته أنني صحافي حاصل على بكالوريوس الإعلام من جامعة القاهرة، وزوجتي تحمل درجة الماجستير في الطب، تقلصت ابتسامته وخفض رأسه بصعوبة بسبب فرط البدانة ليقرأ الأوراق التي بين يديه فظهرت البقع البنية على رأسه الأصلع لتوحي بأنه تجاوز السبعين.
عاد ليقول بهدوء: أنت في عمر ابني، دعني أتحدث معك بصراحة، لا توجد فرص عمل للصحافيين في بلادنا، قاطعته بسرعة: لا بأس، سوف أعمل في أي مجال آخر، وجاء رده سريعاً:
مثل ماذا؟ أعطني مثالاً.. ياعزيزي لا يوجد لدينا وظيفة إلا إذا كان من يقوم بها مؤهلاً لها من الناحيتين الدراسية والعملية، أنتم الشباب تتصورون أن الأعمال اليدوية البسيطة تحتاج فقط إلى عضلات ولا تحتاج إلى مؤهل وهذا اعتقاد خاطيء، مثلاً جامع القمامة من الشوارع عندنا يتم تأهيله ليقوم بتصنيف النفايات والتعرف على خاماتها المختلفة والمجال الذي يمكن تدويرها فيه، أيضاً يتعلم كيف يتعامل مع النفايات التي تحمل شبهة العدوى مثل مخلفات المصحات.
ويتدرب على تشغيل آلات رفع القمامة من الطريق التي تعمل بالكمبيوتر، كذلك عامل محطة البترول يتدرب على التعامل اليومي مع الجمهور تحت ضغط عمل ويتلقى دورات في مجال العلاقات العامة، واللغات يتلقاها كل من يعمل في الصفوف الأمامية من المؤسسات ذات الطابع الخدمي، وهكذا.
صمت للحظة وكأنه يستدعي من الذاكرة أمثلة أخرى ثم قال: لست وحدك من يفكر بهذه الطريقة.. التقيت شبابا عربا كثيرين يتصورون أن من السهل اختيار الوظائف الدُنيا حتى ولو لم تناسب المؤهل، ودائماً أقول لهم إننا لن نقبل لكم بذلك حتى لو قبلتم أنتم، لأن الفشل حليف من يمتهن غير تخصصه، لا تفعلوا مثل الغراب الذي أراد تغيير مشيته فنسيها ولم يستطع أن يدرك مشية غيره، نحن نؤمن بالتخصص..ثم التخصص، أتمنى لك حظاً وفيراً، وإذا أردت نصيحة مخلصة من عجوز، لا تترك مهنتك.. إلى اللقاء.
انتهت المقابلة الرسمية مع قاضي الهجرة المُعين لفحص طلبي!
