هل هناك أبسط من الماء وأكثر منه قربا؟ما عليك إلا أن تضيف ذرتين من الهيدروجين إلى ذرة من الأكسجين، فإذا بك أمام الماء، الذي لا تستغني عنه في حياتك، حتى كأنه ظلك، الأمر الذي يتيح لك أن تتذكر الحقيقة القائلة إن الماء يغطي معظم كوكبنا، وإن كان 97%منه مالحا، على حين يتجمد 2%من هذا الرصيد الثمين الباقي في صورة جليد وثلج، ولا يبقى إلا 1%فقط منه ليمسك على البشر حياتهم، وتشير أحدث التقديرات إلى أنه في عام 2025 سيعيش 8, 1 مليار من البشر في مناطق تتسم بندرة المياه.
إلى هؤلاء البشر ننتمي، نحن العرب ، بحكم الواقع الجغرافي لعالمنا العربي، الأمر الذي يعيد إلى ذاكرتنا ما قاله د. جمال حمدان من أنه في غياب تنظيم صارم لتوزيع الماء تستحيل حياة البشر نهرا من الدماء.
لكن ما الذي يكتنف ندرة الماء في هذه المنطقة من المشكلات؟ ما هي الملامح الأساسية لواقع مشروعات المياه فيها؟ أي مستقبل ينتظرها وينتظرنا في ظل هذه الندرة الشديدة للماء التي تزيد مع مطلع شمس كل يوم؟
في مواجهة هذه الأسئلة، دعنا نتذكر الملامح التالية، التي نعتقد أن المستقبل العربي بكامله رهن بتعاملنا معها ومواجهتنا للتحديات الكامنة في غمارها:
أولا- بحسب تقديرات الباحثين في جامعة أوريغون الأميركية، فإن 37 صراعا عسكريا اندلعت حول الماء على مستوى العالم منذ عام 1950، منها 32 صراعا في الشرق الأوسط، اندلع 30 منها بين إسرائيل والعرب، ومن الناحية العملية فإن هذه الصراعات كلها تقريبا دارت حول نهر الأردن وروافده.
هذا يعني أن الصراع على نهر الأردن يعود إلى قيام دولة إسرائيل، مع إدراك المخططين لقيامها أن مصادر المياه التي يحتاجونها لمشروعهم الصهيوني موجودة كلها خارج حدود الأمر الواقع التي فرضوها، وليس من قبيل المصادفة أن يعمد الطيران الإسرائيلي إلى قصف المشروعات السورية لتحويل مياه نهر بانياس، كما تصدى الفدائيون العرب لمشروع «الناقل الوطن الإسرائيلي»الذي استهدف نهب المياه العربية.
وكان مشروع سد عربي على رافد لنهر الأردن هو الذي استغلته إسرائيل لشن حرب 1967، ووصلت الأردن وإسرائيل إلى مشارف الصدام بسبب مشروع على نهر اليرموك في 1979، وهددت إسرائيل باللجوء إلى القصف بالطيران في مواجهة مشروع عربي على نهر الليطاني في 2002.
ثانيا ؟ يشير تقرير للبنك الدولي إلى أن الإسرائيليين يبلغ استخدام الفرد الواحد منهم للماء أربعة أمثال استخدام الفرد العربي له، ويجادل الإسرائيليون في صحة هذا التقرير بصخب يستهدف التغطية على حقيقة أن الماء الذي يستخدمونه هو ماء مسروق من المصادر العربية.
وبينما يؤكد التقرير العالمي أن الإسرائيليين يستخدمون الماء المسحوب من الأحواض الجوفية في الضفة الغربية لزراعة المستوطنات وملء أحواض السباحة وري الحدائق وأميل ممتدة من الحقول والصوبات، تحظر إسرائيل على الفلسطينيين في الضفة حفر الآبار العميقة، وتقوم شركة «ميكوروت» الإسرائيلية بنهب المياه المحظورة، وتبيعها لأصحابها الحقيقيين من الفلسطينيين، الذين يعانون من الظمأ وبوار حقولهم وهلاك قطعانهم.
ثالثا - أوضح مركز «بتسليم الإسرائيلي للمعلومات وحقوق الإنسان أن المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية التي يبلغ عددها 121 مستوطنة، من دون احتساب الحزام الملتف حول القدس، ينتج 5, 17 مليون لتر مكعب من مياه المجاري سنويا.
وهناك 81 مستوطنة مربوطة بشبكة تعمل بطرق قديمة خلافا لنظيرتها داخل إسرائيل، فضلا عن مستوطنات القدس التي تضخ 2, 10 ملايين لتر أخرى سنويا من المياه بدون أي معالجة من أي نوع إلى حوض وادي كدرون الواقع جنوب شرق القدس.
وتنتج المستوطنات غير المرتبطة بشبكة تنقية المياه العادمة نحو 5. 5 ملايين متر مكعب من المياه العادمة سنويا لا تتم معالجتها مطلقا، ويتم التخلص منها على شكل مجار إلى الوديان والجداول في أنحاء الضفة الغربية، الأمر الذي يعد بمثابة حكم إعدام على أراضي القرى العربية في الضفة.
رابعا ؟ خلال العقود الخمسة الماضية، فقد نهر الأردن 90% من التدفق الطبيعي للمياه فيه، حيث قامت إسرائيل بتحويل المياه من بحيرة طبرية عبر مشروع «ناقل المياه الوطني» إلى داخل إسرائيل، وحصل كل من سوريا والأردن على نصيب محدود من المياه عبر مشروعات على روافد للنهر ، وهكذا أصبح نهر الأردن اليوم محروما من المياه النظيفة، ولا تكاد توجد به إلا مياه ملحية قلوية تتسرب من المصارف والمجاري، وسط توقعات بجفاف مجراه الأدنى العام المقبل.
خامسا ؟ من المحقق أن نهر النيل يستحق معالجة قائمة بذاتها، في مرحلة تشهد تهديدات من دول المنبع بإعادة النظر في الاتفاقيات التي تحكم توزيع مياهه من دون حضور دولتي المصب، وهما مصر والسودان، لكننا لا نملك إلا أن نلاحظ أن الأيدي الإسرائيلية تتحرك دوما، ليبرز خطر التلاعب بتدفق مياه النيل.
من المؤكد أن الطابع العاجل للأخطار التي يفرضها الوضع المائي في المنطقة على العرب يفرض ضرورة المبادرة إلى معالجة استثنائية، على أعلى المستويات لهذه القضية الشائكة.
ربما لهذا، على وجه الدقة، نتوقع أن يتم حمل ملف الماء إلى قمة عربية قريبة، يخصص الجانب الرئيسي من أشغالها لمعالجة تعقيدات هذا الملف. وفي غضون ذلك نتوقع أيضا أن تنطلق هذه المعالجة من أرضية مشروعات عربية مشتركة ومدروسة تعكس تعاونا عربيا على كل المستويات، لأن المعرض للخطر هو صميم الوجود العربي نفسه.
