منذ تولي الأمين العام الجديد لحلف الناتو الدنماركي أندرس راسموسين مهام عمله في إدارة الحلف، وكأن هناك تغييرات تحدث في الحلف في العلاقات مع روسيا، فقد ألقى الزعيم السياسي لحلف الناتو في الثامن عشر من سبتمبر الماضي خطابا في مركز كارنيغي «أوروبا» أثناء المؤتمر حول الأمن ركز فيه على العلاقات مع روسيا على خلفية إعلان الرئيس باراك أوباما التخلي عن مشروع بوش لإنشاء منظومة الدرع الصاروخية في أوروبا واستبدالها بمنظومة جديدة.
وأوضح راسموسين أن «قرار أوباما ليس بمثابة التخلي عن مشروع نشر الدرع الصاروخية، وإنما إنشاء منظومة قد تضم وتحمي كل أعضاء الناتو». وأضاف إن هذه المنظومة قد تكون «مرنة» وسيتم نشرها قبل الموعد المرتقب للمشروع السابق. حسب راسموسين، فإن واشنطن قامت بتعديل برنامجها، وليس بإلغاء مشروع نشر الدرع الصاروخية الأميركية في أوروبا.
ألقى راسموسين خطابه في اليوم التالي لإعلان أوباما، وهذا دليل على أنه كان ملما بالخطط المستقبلية للإدارة مسبقا.
وأثناء زيارته لموسكو لم يحاول راسموسين بالطبع إقناع روسيا بالقبول الفوري لخطة أوباما الجديدة والرد عليها «بالمثل»، وهو التعبير المتداول في مقر الحلف في بروكسل، بل عبر عن موقف الحلف المؤيد بصفة عامة لمشروع أوباما.
وذهب راسموسين إلى أن الحلف على الاستعداد للمضي أبعد من ذلك وانضمام روسيا إلى هذه البنية الجديدة، على حد قوله. وأشار راسموسين إلى إمكانية الجمع بين خبرات روسيا والناتو في مجال الدفاع المضاد للصواريخ وحتى «النظر في الربط بين نظم الدرع الصاروخية للولايات المتحدة والناتو وروسيا في المستقبل القريب». إلا أنه لم يؤكد كيف ومتى.
لقد ناقش راسموسين في موسكو سبل توسيع نطاق التعاون بين الحلف وروسيا بعد تجميده منذ «الأزمة القوقازية». بادر الحلف باستئناف التعاون بعد فترة من الانتظار للتعبير عن غضبه بسبب عدوان موسكو في القوقاز. ويدرك حلف الناتو والولايات المتحدة حاجتهما إلى روسيا لتحقيق أهدافهما في أفغانستان والحرب الشاملة ضد الإرهاب والقراصنة ومنع انتشار السلاح النووي إلخ.
اهتمام الأمين العام لحلف الناتو الواضح بروسيا قد يقلل من معنويات أعضاء الحلف الذين يتخذون موقفا معاديا لروسيا وأغلبهم من الدول التي انضمت إليه في عام 2004 مثل دول البلطيق وبولندا. وعلاوة على ذلك يثير الخطاب استياء جورجيا تحت زعامة ساكاشفيلي الذي يحلم دائما بأي تجميد للعلاقات بين روسيا من ناحية، والناتو والاتحاد الأوروبي والجمعية البرلمانية للمجلس الأوروبي وغيرها من ناحية أخرى.
وقد أشار راسموسين بصورة خاصة إلى ضرورة استئناف التعاون مع روسيا ورفعه إلى مستويات جديدة، وذلك منذ اليوم الأول من عمله في مكتبه في مقر الحلف في بروكسل في الثالث من أغسطس. وأعلن في اليوم نفسه بدء التطبيع الشامل في العلاقات مع موسكو.
ووصل الأمر إلى درجة أنه أعلن - ردا على أحد الأسئلة - إمكانية انضمام روسيا - إن رغبت - إلى الناتو في حالة تلبيتها للمعايير المقررة، وأوضح أن جورجيا وأوكرانيا ليستا على استعداد لذلك بعد، رغم أنه لا يستبعد انضمامهما على الإطلاق.
ويذكر أن نيكيتا خروشوف قدم مسرحية سياسية طلب فيها انضمام الاتحاد السوفيتي إلى حلف الناتو في عام 1954، إذ كلف سفراء موسكو في عواصم الدول الأعضاء في الناتو بطرح سؤال: ما هو موقف أعضاء الحلف من طلب انضمام الاتحاد السوفييتي إليه؟
ولم يهدأ حلف الناتو إلا بعد التأكد من عدم جدية المشروع. ومن أجل تجنب تكرار ذلك بيّن راسموسين أن روسيا لم تتقدم بمثل هذا الطلب وربما لن تقوم بذلك على الإطلاق، وأن «حلف الناتو يحتاج إليها بدرجة أكبر كشريك لمواجهة تحديات العصر الكبرى» و«الشراكة الإستراتيجية».
الجدير بالذكر أن حلف الناتو يحاول - ومنذ زمن - أن يتحول إلى منظمة عسكرية سياسية حتى لا يبقى بدون عمل بعد حقبة «الحرب الباردة» ويحتاج لوساطة روسيا لتولي العمل الجديد، خاصة وأن أعضاءه الكبار من الأوروبيين باتوا ينظرون بجدية في مسألة التخلي عنه بعد أن بات بالنسبة لهم مصدرا للعديد من المشاكل سواء في علاقاتهم مع روسيا أو في تفاقم الأوضاع في المستنقع الأفغاني.
كاتب أوكراني