هل هي لعبة تآمرية سياسية جديدة؟ ربما، لكن المؤكد أنها لحظة نادرة تم فيها القبض على العقل الاستراتيجي الأهم في العالم، متلبسا بالبحث عن «مخلص» والاتكاء على أسطورة لنزع فتيل مخاطر سمتها الرئيسية السيولة والزئبقية، فالمخاطر الجديدة في عالم السياسة الدولية أقرب إلى خيط دخان، وكأنها خارجة من بين حروف قول نزار قباني في «قارئة الفنجان»:
وستعرف بعد رحيل العمر
بأنك كنت تطارد خيط دخان
ولمطاردة الدخان، خلص خبراء مؤسسة «مركز معلومات الاستراتيجية القومية» البحثية الأميركية، الذين تأخذ الإدارة الأميركية برأيهم، إلى استنتاج مفاجئ مؤداه أن الخطر الأكبر على الأمن الأميركي في الأجل القريب، سيشكله القراصنة الصوماليون ومهربو السلع المكسيكيون والإرهابيون الإسلاميون، وليس الخصوم التقليديين: روسيا والصين وإيران وكوريا الشمالية ونظام هوغو تشافيز.
ويعتقد هؤلاء الخبراء أن أفغانستان والعراق والصومال تمثل مصدرا رئيسيا للخطر، كما أنهم لا يستبعدون إمكانية أن تتعاون دول دكتاتورية مع المصادر الجديدة للخطر. وفي رأي الخبراء، لا تستطيع الآلة العسكرية الأميركية صد مخاطر من هذا النوع، إلا عندما يبتعد البيت الأبيض عن فكر القرن العشرين، ويكف عن اعتبار القوة العسكرية والاقتصادية الأداة الوحيدة للسياسة الخارجية.
ولتنجح أميركا في مقاومة المخاطر المستجدة يتعين عليها، حسب روي غودسون، أحد هؤلاء الخبراء الذي سبق له العمل في جامعة جورج تاون المرموقة، فإنها في حاجة ماسة لمثيل معاصر ل«لورنس العرب»، لأنها لا تستطيع حماية مصالحها العليا إلا بمساعدة أمثاله!
ولورنس العرب هو ضابط المخابرات البريطاني العقيد توماس إدوارد لورنس، المولود في شمال ويلز عام 1888، وجاءت شهرته الطاغية من تكليفه بمهام خلف خطوط «العدو» العثماني، عبر تأليب القبائل العربية وزعمائها ضد الدولة العثمانية، ودفعها للتمرد وقطع خطوط إمداد الجيش العثماني.
ونجح لورنس في مهمته على نحو جعله يتحول لأسطورة، لكن نشوب الثورة البلشفية في روسيا وقيام الحكومة الجديدة بالكشف عن اتفاقية سايكس ـ بيكو التي كانت سرا، دفعا بريطانيا لسحب لورنس من بلاد العرب.
وفي 1926 أرسلته بريطانيا لأفغانستان التي استعصت على بريطانيا في حربين مكلفتين. وما إن كشفت صحيفة «تايمز أوف انديا» أمره عام 1928 متسائلة عن مهمته، وتبعتها صحيفة «برافدا» السوفييتية، حتى تم سحبه لينتهي دوره الأمني، وقد ترك الرجل الزئبقي كتابا شهيرا روى فيه تجربته هو «أعمدة الحكمة السبعة».
واستحضار لورنس العرب على هذا النحو المفاجئ، يضفي أجواء أسطورية على صراع دموي طالما سيطرت على قاموسه مفردات القصف والكر والفر، مستدعية لوازمها من قوائم الأسلحة الأشد فتكا: طائرات بلا طيار، وصواريخ ذكية، وقنابل خارقة للدروع، وأخرى قادرة على نسف الجبال.
واستحضار ذكرى لورنس العرب، يعني أيضا إحلال التغيير «من الداخل» محل المواجهة «من الخارج»، والتوجه ليس انقلابا جذريا في فهم حقيقة طبيعة الصراع، لكنه تحول في اختيار ساحة الصراع وآلياته، فالصراع هو بالفعل صراع أفكار، لكن الانتصار فيه مرهون ب«الحوار» لا بـ «الاختراق».
والمفارقة أن «الخيار الجديد»، يستحضر «صورة نمطية قديمة» لشعوب يمكن خداعها واقتيادها على يد سوبر مان من رجال الظل! والفكرة تفتح الباب من جانب آخر، للتساؤل عن دلالات رؤية العالم عبر رجل واحد، حيث تختفي التفاصيل والتمايزات والفروق والعوامل المتعددة التي تسهم في حسم المعارك الكبرى.
وقد تحول شخص مثل ميخائيل غورباتشوف، الرئيس الذي انهار في عهده الاتحاد السوفييتي (وفي رواية لا تخلو من سوء نية انهار على يديه)، إلى أسطورة ورمز لحل ممكن لتغيير أي دولة تصنف أميركيا بوصفها «إمبراطورية الشر». وهناك من يبحث عن ستالين أو هتلر أو... كرمز لمخلص ـ حقيقي أو متوهم ـ يملك قدرة سحرية على حسم المعضلات.
وقد سجل الكاتب السويسري المعروف فردريش دورينمات، الظاهرة في مسرحية ممتعة هي «رومولوس العظيم»، التي تصور الفصل الأخير من تاريخ الإمبراطورية الرومانية، لأنه مقتنع بأنها يجب أن تسقط، وفي القضية الفلسطينية مثلا يبحث الأميركيون منذ سنوات عن رومولوس فلسطيني، يوقع على اتفاقية تسوية تعلم أميركا جيدا أن التوقيع عليها انتحار مجاني.
كاتب مصري