حرية الصحافة في العصر الرقمي

حرية الصحافة في العصر الرقمي

في عهد الإعلام الجديد والعصر الرقمي وصحافة المواطنة، ظن العديد من النقاد والمتخصصين في شؤون وشجون حرية الصحافة، أن زمن الرقيب والمقص قد ولى وأن العالم، خاصة النامي منه، قد دخل عصرا جديدا من حرية الرأي والتعبير ومختلف الحريات الفردية، بسبب ما تقدمه التكنولوجيا الجديدة من إمكانات ووسائل للفرد ليُسمع رأيه ويعبر عن صوته مباشرة، من خلال الانترنيت والشبكات الاجتماعية وصحافة المواطنة وما إلى ذلك.

صحيح أن الفضاء الإعلامي والاتصالي قد تغير تغيرا كبيرا خلال العقدين الأخيرين، وصحيح أن آليات التواصل ومصادر الأخبار والمعلومات أصبحت متوفرة كما ونوعا لمئات الملايين من البشر في مختلف أنحاء المعمورة، لكن هل يشفع كل هذا لصيانة حرية مقدسة وهي حرية الصحافة؟

هل تكفي التكنولوجيات الجديدة والآليات الحديثة للتواصل وجمع وتوزيع الأخبار لتوفير المناخ المثالي لممارسة حرية الصحافة؟ واقع حرية الصحافة في العالم هذه الأيام يبعث على التشاؤم، والأخطر من ذلك أن دولا عديدة تنعم بالتطور والتقدم والرخاء والديمقراطية، ولها تقاليد في حرية الصحافة، أصبحت تعاني من تجاوزات خطيرة في حق حرية الصحافة، باسم الحرب على الإرهاب والأمن القومي وحماية المواطنين.. إلى غير ذلك.

اغتصاب حرية الصحافة ومصادرتها من قبل قوى عديدة ومختلفة في المجتمع، أصبح ممارسة عادية ويومية في الأوساط الإعلامية والسياسية والمالية. فالسلطة وبارونات المال والأعمال، يستخدمون كل الطرق والوسائل للسيطرة والتحكم في المؤسسات الإعلامية، ليمرروا ما يريدون من رسائل وخطابات، والتعتيم على كل ما يزعجهم ويكشف تجاوزاتهم أمام الرأي العام.

في مناسبات عديدة قدم الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون، نداءات إلى العالم من أجل الدفاع عن حرية الصحافة، حث فيها المسؤولين على معاقبة من يعتدي على الصحافيين أو يمارس أي ضغط أو مضايقات على أدائهم لمهنتهم بكل حرية وبكل أمان. بان كي مون أكد أن «الصحافة الحرة والمستقلة هي إحدى أسس السلام والديمقراطية».

كما اعتبر أن التعديات على الصحافة تعتبر «تعديات على القانون الدولي والانسانية والحرية وكل ما تدافع عنه الأمم المتحدة». مئات الصحافيين يقبعون في السجون في عديد دول العالم، لا لشيء إلا لأنهم كشفوا الحقيقة وقدموها إلى الرأي العام، ولأنهم رفعوا النقاب عن أكاذيب السلطة وطرقها المختلفة في اغتصاب الرأي العام وتضليله وتزييفه.

التقارير المختلفة المتعلقة بواقع حرية الصحافة في العالم والصادرة عن عدد من المنظمات غير الحكومية في مختلف دول المعمورة، تفيد أن السنوات الأخيرة هي الأسوأ على الإطلاق، من حيث الاغتيالات والاعتقالات والاختطاف والمداهمات والمضايقات والاعتداءات على الصحافيين. فسنة 2009 شهدت تراجعا ملحوظا في الحريات، كما شهدت تهاونا وهروبا من المسؤولية من قبل الحكومات في معاقبة المعتدين على حرية الصحافة وأولئك الذين يستعملون مختلف الطرق والوسائل لتكميم الأفواه، سواء عن طريق التصفيات الجسدية أو الحبس أو الاعتقالات أو الاختطاف.. وغيرها.

والحقيقة أن العوائق والقيود التي تعترض عمل الصحافيين تتعدد، فهناك قيود تشريعية وأخرى إدارية وثالثة ذاتية وتعتبر الأخطر، حيث يصبح الصحافي، بسبب الخوف والمضايقات وانعدام الحماية القانونية، يمارس الرقابة على نفسه ويبتعد عن الممارسة الإعلامية الجادة التي تتمثل في الاستقصاء والبحث عن الحقيقة وتقديمها للرأي العام. وبذلك تصبح الرسالة الإعلامية خالية من كل ما من شأنه أن يساهم في تشكيل مجتمع مدني وقوى مجتمعية تتحاور وتتناقش وتراقب وتستقصي، من أجل المصلحة العامة وإعلاء كلمة الحق.

دراسات وتقارير منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة و«مراسلون بلا حدود» و«الاتحاد العالمي للصحف» و«المنظمة العالمية للصحفيين»، وغيرها من المنظمات الحكومية وغير الحكومية، تبعث على التشاؤم والحسرة والحزن للمشاكل والمتاعب والخطورة التي تكتنف مهنة الصحافة.

ما حدث خلال العدوان الإسرائيلي على غزة والحرب الأميركية على العراق، وما يحدث في بؤر التوترات والنزاعات في العالم، يعتبر مجزرة في حق حرية الصحافة والممارسة الإعلامية النزيهة والشريفة، حيث تحول الإعلام إلى آلة للدعاية والحرب النفسية والتضليل والتشويه وتزييف للواقع.

ورغم أن المادة 19 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان تقر حرية الرأي والتعبير، إلا أن «مافيا» المال والسياسة في معظم دول العالم لا تؤمن بهذا المبدأ وبهذا الحق، وأصبح من يملك المال والنفوذ والسلطة له حق الرأي والتعبير، أما باقي شرائح المجتمع فتكتفي باستهلاك ما يُقدم إليها، دون مساءلة ولا استفسار.

إخبار الرأي العام وإيجاد سوق حرة للأفكار، أصبحا من المهام الصعبة في معظم دول العالم، بحيث أن الصحافي يجد نفسه في هذه المعادلة بين المطرقة والسندان، فهو أخلاقيا ومهنيا وعمليا مطالب بإعلام وإخبار الرأي العام، ومن جهة أخرى يجد نفسه تحت ضغوط لا ترحم ولا تشفق لإرضاء أصحاب النفوذ والمال وأصحاب السلطة.

وحتى الدول التي يُقال عنها إنها ديمقراطية وحرة ولها باع في الإعلام النزيه والقوي، أصبحت تقوم ببعض الممارسات إزاء الإعلام لا تختلف عن تلك المتبعة في الدول السلطوية والشمولية. وهذه الممارسات أفقدت شعوب العالم الثقة في وسائل الإعلام، وتحول ما كان يسمى «السلطة الرابعة» إلى وسيلة في يد سلطة المال والأعمال وأباطرة السياسة.

وفي آخر تصنيف لحرية الصحافة في العالم لمنظمة «مراسلون بلا حدود»، جاء ترتيب 15 دولة عربية بعد المائة من مجموع 169 دولة، وهذا يعني أن وضع حرية الصحافة في العالم العربي يبعث على التشاؤم، وهذا سيعيق دون أدنى شك الحريات الأخرى التي تتعلق بالممارسة السياسية والمشاركة في صناعة القرار والنقد والنقد الذاتي... الخ.

فمصادرة حرية الصحافة والضغط على الصحفيين وترهيبهم، كلها ممارسات غير مقبولة ومنتهكة للحقوق الأساسية للأفراد، كما أنها تعيق حرية نقل المعلومات الصحيحة والجديرة بالثقة، والتي تعتبر أساس الديمقراطية والحكم الراشد.

عميد كلية الاتصال، جامعة الشارقة

mokirat@sharjah.ac.ae

طباعة Email
تعليقات

تعليقات