تعتبر دولنا من العالم الثالث النامي، والتنمية معرضة في مسيرتها للأخطاء، لكن الأخطاء أنواع، بعضها طبيعي وبعضها يأتي نتيجة إهمال أو قصور في الإمكانيات، وبعضها متعمد يصل حد الجريمة. وحين نتحدث عن الأخطاء الطبية تكون المسألة أخطر، لأنها تتعلق بحياة الإنسان، واليوم لا فرق بين المستشفيات الحكومية والخاصة في هذه المشكلة، لأن معظم الأطباء يعملون في المجالين، ولأن لكل منهما مشكلاته. ويتحدث الناس عن تلك الأخطاء التي حصلت لأقربائهم، وتوفاهم الله نتيجة تلك الأخطاء، وسلموا أمرهم لرب العالمين على أنها قضاء وقدراً.

نذكر هنا بعض الأمثلة على تلك الأخطاء.. مريض بالسكر منذ طفولته، أصيب بإغماء ونقل إلى المستشفى، وبعد أن فاق بدأ علاجه عدة أيام أعطي خلالها حقنة مسكنة، فدخل في إغماء لمدة أسبوع إلى أن توفي! مريض آخر أصيب بأزمة قلبية فنقله ذووه إلى المستشفى، وأخذت الفحوصات ساعات طويلة، ولم تكن أنبوبة الغاز موجودة، وبعد العثور عليها كان قد فارق الحياة!

مريض ثالث لديه حساسية لم يعرف سببها، فأعطي دواء بالخطأ فأصبح يشكو منها باستمرار أكثر مما كانت عليه في السابق! مريض غيره نقل إلى المستشفى، وبدأ إجراء التحاليل المخبرية له لتشخيص المرض، فاختلفت العينات المأخوذة من المريض وأعطي دواء بناء على تحليل شخص آخر!

هذه بعض الأمثلة التي يتحدث عنها الناس، وهناك الكثير من هذه الوقائع، وهي السبب الأساسي الذي يجعل الناس تفضل العلاج في الدول المتقدمة.

والسؤال كيف ولماذا تحدث الأخطاء الطبية؟

نعرف أن عدداً لا بأس به من المسؤولين عن الصحة في دولنا، مخلصون وبذلوا ويبذلون جهودا مشكورة في مؤسساتنا الصحية، كما نعرف أن عدداً كبيرًا من أطبائنا يبذلون جهودا لعلاج ومساعدة المرضى يشكرون عليها، لكن المشكلة الصحية في دولنا تكمن في النظام الصحي، فهل مثلا عوقب من انتحل مهنة الطب وعالج المرضي، ومن يتحايل على العلاج الحديث للطب، أو من ثبت أنهم تسببوا في موت مرضى نتيجة أخطاء في العلاج؟ ولماذا لا تحدث أخطاء خطيرة أثناء العلاج في الخارج مثلما يحدث لدينا؟

إن الإمكانيات المادية متوفرة، فهل هو قصور إداري أو فني؟ أم أن سياستنا التقشفية أو الواسطة توظف أطباء، وهيئة تمريضية غير كفؤة؟ ويبقي السؤال؛ لماذا تحدث الأخطاء الطبية في مستشفياتنا الحكومية والخاصة؟ ولا أحد يستطيع الإجابة عن هذا السؤال، وإذا حصل فإنها تبرر تلك الأخطاء، بدل أن تعترف بها ثم تحاول تفاديها.

إن إعطاء مواعيد بعيدة لبعض المرضى الذين يشكون من أمراض خطيرة، قد يتسبب في مضاعفات خطيرة قد تؤدي للموت. فلماذا نقول لمريض القلب لديك موعد بعد شهر مثلا للاشعة أو لإجراء العملية؟ أو لمريض يشكو من الماء الأزرق في العين الخ..!

قد يتجنب الكثيرون الخوض في هذا الموضوع لأسباب عديدة، منها حساسية الموضوع واهتزاز الثقة بالعلاج في دولنا، وربما خوف المريض وذويه من العلاج في مستشفياتنا ومراكزنا الصحية. لكن هل ذلك يعني أن نضع رؤوسنا في الرمال ولا نرى الحقيقة في الواقع؟!

ومع ذلك، نؤكد أن لدينا أطباء أكفاء ومستشفيات ومراكز صحية جيدة، لكن أحيانا يكون الإهمال جريمة لأن نتائجه قد تكون وخيمة. لا نقول إن الناس معصومون من الخطأ، ولكن هناك أخطاء تسجل على أنها طبيعية، وهي ليست كذلك!

ولنسال أيضا كيف نواجه هذه الظاهرة أي ظاهرة الأخطاء الطبية؟ أولا، يجب أن يكون لدينا سياسة طبية تتطور ويتم تحديثها باستمرار مستفيدة من تجارب الدول المتقدمة في مجال العلاج الطبي. وثانيا، يجب توخي الدقة والموضوعية في اختبار الأطباء وتعينهم مواطنين ووافدين، وثالثا: توفير مستلزمات العلاج الطبي وبخاصة المستلزمات الأساسية ودولنا لا تشكو من أزمات مالية.

ورابعا توفير الإدارة الصحية الجيدة أو النظام الصحي المتقدم، وأخيرا خلق الوعي الصحي لدي المواطن بوسائل مختلفة. عندما تتوفر هذا الظروف والمستلزمات نقطع شوطا مهما على طريق مواجهة هذه الظاهرة وإصلاح القطاع الصحي في بلداننا. إن مقالنا هذا رسالة إلى من يهمه الأمر لإصلاح أحوالنا الصحية.

كاتب كويتي

dr.tamimialek@yahoo.com