أفرح قلبي ما رأيته في دبي هذه المرة، بل الحق في كل مرة أزور فيها هذه المدينة النابضة بالحيوية، فقد تصادف وجودي مع انطلاقة العمل بسبع محطات جديدة، من متروها ذي الألوان «الفرايحية» التي تدخل البهجة والسرور في النفس، وبأناقة مبناها وقاطراتها وبانتظامها، رغم حداثة التجربة.
ولعل اهتمامي بالمواصلات العامة يأتي من عدة أبواب، لعل أبرزها أنها الوسيلة الأقل كلفة، فضلاً عن محافظتها على البيئة، إضافة إلى أن استخدام المترو بشكل خاص، يجنب الشخص الاختناقات المرورية وما تسببه من توتر وضيق وشد للأعصاب.
ولا شك أن هذه المحطات السبع ستخفف أكثر من وطأة الازدحام المروري، فهي سترفع عدد مستخدمي المترو بالضعف تقريباً، من ثمانين ألف راكب إلى مئة وأربعين ألف راكب يومياً. وهذا الرقم سيتضاعف أضعاف ما هو عليه حالياً، حينما تستكمل باقي المحطات، وحينما ينتهي المشروع بكليته، بالخطين الأحمر والأخضر.
هذا ليس المنظر الوحيد الذي أفرح قلبي، وإن كان وحده كافياً، بل منظر آخر رأيته في فندقي الذي نزلت فيه، وهو فندق جديد، دخل في الخدمة للتو، حيث اكتشفت بالصدفة ألواح الطاقة الشمسية وقد وضعت في أعلى سطحه، حينما ذهبت لألقي نظرة على النادي الصحي الكائن في أعلى دور.
منظر جميل بعث النشوة في قلبي، فهذا الفندق ـ كما استنتجت ـ علامة على بداية عصر جديد دخلت فيه دبي ودولة الإمارات العربية المتحدة، عصر ستحل فيه رويداً رويداً الطاقات النظيفة والمتجددة، وعلى رأسها الطاقة الشمسية، مكان الطاقات الأحفورية، الملوثة للبيئة والمسببة للاحتباس الحراري.
وقطعاً ستخطو المباني القادمة، سواء التجارية أو غيرها، ما اختطه هذا الفندق، تعبيراً عن قرار استراتيجي متخذ على أعلى المستويات.
وقد تأكدت من أن التحول ليس قاصراً على فندق هنا، ومبنى هناك، حينما ذكرت مديرة المنظمة العالمية للطاقات المتجددة والمعروفة اختصاراً بـ «أرينا»، هلين بيلوسي، وهذه المنظمة مقرها في مدينة أبوظبي، أن دولة الإمارات العربية المتحدة عاقدة العزم على جعل 7% من إنتاجها للكهرباء، يأتي من الطاقات النظيفة بحلول العام 2020.
ومن المعروف أن الإمارات بصدد إنشاء مدينة «مصدر» التي ستكون معتمدة كلياً على الطاقات النظيفة والمتجددة، بتكلفة 22 مليار دولار. وبهذا العمل، سيكون للإمارات قصب السبق في التحول التدريجي للطاقات النظيفة والدائمة، وما تمثله تلك الطاقات من فتح مجالات جديدة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية.
والحق أن البلاد العربية هي الأقدر على الاستفادة القصوى من الطاقات المتجددة، وتسخيرها لخدمة احتياجاتها وبرامجها التنموية، وعلى وجه الخصوص الطاقة الشمسية. فبلادنا العربية تقع في مجملها في صحارى تسطع فيها الشمس طوال السنة، وتزيد حرارتها في أيام الصيف على الخمسين درجة.
ولذلك، كانت هلين بيلوسي متفائلة، في حديثها مع جريدة ال«جلف نيوز»، بإمكان الاستفادة من هذه الميزة في منطقتنا، حيث قالت إن منطقتنا تتلقى كمية ضخمة من الأشعة الشمسية للكيلومتر المربع الواحد في السنة، تعادل (ولاحظوا الرقم الضخم) مليونا ونصف المليون من براميل النفط!
إن هذه الحقيقة تفتح آفاقاً رحبة لكل الدول العربية، وخاصة تلك التي لا تحتوي أراضيها على النفط، وتضطر إلى استيراده ليشكل عبئاً على ميزان مدفوعاتها. ولنتخيل كم من الأراضي يمكن استصلاحها أو زراعتها بالأشجار أو بمصدات الرياح، لو تم توفير الماء الكافي عبر إنشاء محطات تحلية مياه تعتمد على الطاقة الشمسية، ناهيك عن توفير الكهرباء، بالذات للمناطق النائية والبعيدة!
إن الطاقات البديلة والنظيفة والمتجددة، ستساهم في المحافظة على البيئة الإنسانية، وستكون عاملاً مهماً لرفع المستوى المعيشي لملايين الناس في العالم، كما جاء في تقرير حول الموضوع قدم للأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون، ونشرت السي أن أن موجزاً له في الأول من مايو الحالي.
فثمة مليار و600 مليون شخص يعيشون بدون كهرباء، فيما يعتمد ما بين مليارين وثلاثة مليارات شخص على مصادر الطاقة التقليدية مثل الحطب، مما يؤثر في صحتهم ويبقيهم في حالة الفقر، كما يشير التقرير. ولا يحتاج هؤلاء سوى إلى الطاقة الرخيصة لخروجهم من حالة الفقر والعوز.
والتحول إلى الطاقات البديلة، النظيفة والمتجددة، أصبح من ضرورات الحياة الحديثة، لما تسببه الطاقات التقليدية من تدمير للبيئة وتلوث واحتباس حراري ينذر بالكوارث.
فمدن كثيرة (زرت البعض منها) باتت تختنق من عوادم السيارات، وهي مضرة بالصحة، ولها تكلفة اقتصادية باهظة، منها مثلاً أنها تنفر السياح من زيارتها. ثم لننظر ما يحدث في خليج المكسيك هذه الأيام من تسرب نفطي، بات يهدد السواحل الجنوبية للولايات المتحدة، ويخلق كارثة بيئية غير مسبوقة.
ولا شك أن عملية التحول ستكون عملية تدريجية وطويلة و«تاريخية»، تشبه الانتقال من الفحم الحجري إلى النفط في القرن الماضي. غير أن أجواء التحول إلى الطاقات البديلة قد أصبحت مهيأة، فحسناً فعلت دولة الإمارات العربية المتحدة الشقيقة، حينما أرادت أن تكون في المقدمة.
كاتب وأكاديمي كويتي
alyusefi@hotmail.com