حمّى الاستثمار.. ألاّ نُترك في الخلف

حمّى الاستثمار.. ألاّ نُترك في الخلف

سئلت قبل أيام في مقابلة مع محطة «سي. ان. بي. سي» العربية: «هل تعتقد أن استخدام الدين يمثل عنصرا أساسيا في إقبال الناس على الاستثمارات الوهمية؟».

كان ذلك خلال لقاء تلفزيوني حول الاستثمارات الوهمية التي غدت حديث الشارع في البحرين منذ أسابيع، مع انكشاف مجموعة من الأشخاص الذين قاموا باجتذاب المئات من البسطاء والموسرين أيضاً، الذين قاموا بإيداع أموال لدى هؤلاء الأشخاص مقابل فوائد، لكن الجميع خسر أمواله.

إنها القصة نفسها التي بدأت في مصر في ثمانينات القرن الماضي وكان ظل الدين ظاهرا فيها، رجال يظهرون التدين والتقوى ويقومون بلفتات وعطايا للمساجد وطباعة كتيبات دينية صغيرة.. وهكذا.

في البحرين تمكن هؤلاء في السنوات القليلة الماضية، مع ارتفاع أسعار النفط، من اجتذاب المئات هم خليط من البسطاء والموسرين، بل وأصحاب أعمال وأثرياء ونسبة لا بأس بها من «الفئة الوسطى».

لكن ما إن بدأت الأزمة المالية العالمية تطل بوطأتها الثقيلة حتى انكشف هؤلاء، وخسر المودعون أموالهم التي تصل في مجموعها إلى حوالي 80 مليون دولار أميركي.

كانت للسؤال خلفية بسيطة، هي أن أحد هؤلاء المستثمرين (تجاوزا)، كان يقوم بلفتات بسيطة حيال المساجد والحسينيات في قريته التي صادف أن معظم ضحاياه منها. أضف أن بعضا من ضحاياه من علماء الدين ومؤسسات دينية. لكنني وجدت أن السؤال، رغم سياقه الطبيعي، ليس دقيقا.

إن استخدام الدين أو الظهور بمظهر الورع والتقوى، يسهم بلا شك في جذب الكثيرين، خصوصا البسطاء، لكنني أرى أن الأمر يتجاوز هذا النفاق. إن هذا عامل مساعد، وليس العامل الحاسم من وجهة نظري.

ففي ظل الانتعاش الاقتصادي يندفع المستثمرون الكبار، من شركات وحكومات ومصارف كبرى، إلى الدخول في مشروعات كبرى. فالفوائض المالية مغرية، ويصبح البحث جاريا عن أدوات استثمارية لتوظيف هذه العائدات.

على هذا، وعلى مدى السنوات القليلة الماضية، راحت المشروعات الكبرى تتوالى في غير بلد خليجي. مشروعات عملاقة، وفي الغالب مشروعات عقارية ومدن جديدة، تتجاوز كلفة الواحدة منها مليار دولار أميركي.

ومع هذه، تزدهر المشروعات الأخرى: شقق تمليك، استثمار أراض وغيرهما، وتتوالد المصارف المتخصصة يوما بعد آخر. مصارف متخصصة في قطاعات بعينها، متجازة الشكل التقليدي للمصرف الشامل.

فالأسواق التي تتحدث عنها المصارف الجديدة، أسواق مغرية بحق. إن الأموال المتدفقة تثير الخيال، وتدفع المصرفيين لسباق محموم لابتكار الوسائل لاجتذاب هذه الأموال.

يترافق هذا كله، مع حملات دعائية لا مثيل لها في الشوارع والتلفزيون والصحف، ومعها تتحول الأجواء إلى ضجيج لا نهاية له، ويتحول الاستثمار إلى ما هو أكثر من مجرد كلمة تردد يوميا من الصباح حتى المساء، ليصبح شعورا مستحكما. لكن هذا كله تعبير ملطف لمفردة «الحمّى».

مطلع ثمانينات القرن الماضي مع طفرة أسعار النفط في ذلك الوقت، أي قبل ثلاثة عقود، عشنا سباقا محموما لامتلاك الأسهم في شركات جديدة تنشأ. وإذا كانت للحمى أعراض، فإن أحد أبرز أعراض تلك الحمى، كان بيع الجوازات. لقد كان الكثيرون لا يترددون في طرق أبواب جيرانهم، يعرضون على كبار السن والعجائز ومعدومي الحيلة، استخدام الجوازات مقابل مبلغ ما.

حمّى تنتشر، تجعل الكثيرين يشعرون بأن شيئا ينقصهم أو أنهم غير الآخرين، أو أن عليهم أن يفعلوا شيئا وإلا فانهم في سبيلهم لأن يكونوا غير الآخرين. شعور يلح بأن على الناس أن تتحرك، فالمشروعات تتوالى، والكثيرون يتسابقون لامتلاك شقة في مشروع عقاري ضخم، أو قطعة أرض، أو شراء أسهم.

الكثيرون يجرون، ويبدأ اللهاث يسود بين الناس، فتنتشر الحمى بسهولة، لكن محركها شعور قابع في أعماق كل نفس بشرية: «الخوف من أن نترك في الخلف».

فالتسابق المحموم الذي يحركه ذلك الخوف من «أن نترك خلف الآخرين»، يصبح مثل «الفوبيا» الجماعية، ليداعب مشاعر الناس التواقة دوما لمزيد من الأموال بين أيديها.

تلك الحمّى هي التي تدفع الناس للاستسلام للإغراء. إن كثافة الدعاية وكلماتها التي تخاطب المتلقين، وكأنها تخاطبهم وحدهم مستخدمة صيغة المفرد دوما (سارع لامتلاك منزل أحلامك.. فرصتك للثراء..

الخ)، مضافا إليها الشعور الراسخ بالوفرة والأموال المتدفقة، لا يفعل سوى أن يوقظ النوازع الطبيعية لدى كل إنسان في الامتلاك. لعل هذا يفسر هذا الخليط من ضحايا الاستثمار الوهمي، فلا فرق بين عمال بسطاء وكناسين وأطباء ومهندسين ومستثمرين، بل وأصحاب أعمال وأبناء عائلات ثرية.

على أن الاستثمار الوهمي وقصص الخداع التي لا تنتهي وشكاوى الضحايا وقصصهم، كشفت عن جانب آخر مهمل لدى المخططين الاقتصاديين لدينا. فحتى اليوم، تفتقر دول الخليج إلى ذلك النوع من المشروعات أو الأفكار التي تعزز تحسين مستويات المعيشة بشكل ثابت ومتواتر، عوضا عن العطايا والمنح.

إن الادخار، مفردة تثير الضحك أحيانا، واستخفاف الاقتصاديين الخليجيين والمخططين الاقتصاديين للحكومات. فهؤلاء مأخوذون بكل تجارب المضاربات في الغرب، وهم ينظرون بازدراء لكل الآراء التي تقترح تشجيع الادخار على المستوى الوطني، وهم إذ يهزون أكتافهم أمام اقتراحات من هذا النوع، ينسون درسا هاما من صميم الأزمة الأخيرة.

فاليابان التي يفوق حجم ديونها حجم الديون اليونانية، لم تقع تحت رحمة المصارف مثلما آل مصير اليونان، بل لم تتجه للخارج وإنما إلى الداخل؛ إلى صناديق الادخار الوطني. هذه الصناديق هي التي أنقذت اليابان من مصير مثل ذلك الذي رضخت له اليونان. لكن اقتصاديينا ومصرفيينا، لا يعرفون ما هو أكثر من البلاغة في المؤتمرات الفخمة، والحديث عن أسوأ نماذج صنع الثروة في أوقات الطفرات.

أبعد من هذا، فإن الخيارات المطروحة أمام الناس في مجتمعاتنا، لا تزال تراوح بين المغامرة أو الرضوخ لشروط المصارف الصعبة عند طلب القروض، وليس هناك من بدائل أخرى أو حلول وسط. ولعل مثل هذه الأزمات تدفع للتفكير في بدائل أخرى، غير المضاربات.

كاتب وصحافي بحريني

mfadhel@batelco.com.bh

طباعة Email
تعليقات

تعليقات