المثقف في فكر الجابري

المثقف في فكر الجابري

في كتابه الصغير البديع «المثقفون في الحضارة العربية: محنة ابن حنبل ومأساة ابن رشد»، يحاول المفكر الراحل محمد عابد الجابري أن يكشف عن معنى لمفهوم المثقف ومحاولة «تبيئته» عربيا. يفاجئنا الجابري بدهشة المثقف الباحث، أن مرجعيته الثقافية العربية لم تساعد على تحديد معنى محدد لهذا المفهوم. ويُصعِّب الجابري المسألة علينا، حينما يرى عدم وجود مرجعية لهذا المفهوم في الثقافة العربية، سواء في السياق الحضاري الماضي أو الحالي.

وفي ضوء ذلك يهدف الجابري إلى توضيح معنى المثقف العربي، من خلال رده إلى بيئته الأصلية التي يمكن من خلالها الوقوف على أهم ملامحه، من خلال العودة للتراث العربي الإسلامي.

ويرى الجابري أن المشكلة في تناول مفهوم المثقف العربي، هي نقله من بيئته الغربية عبر ترجمته بنجاح لا شك فيه، دون رده إلى بيئته العربية الإسلامية التي تضعه في إطاره الصحيح وتُكسبه فهما أكثر وأعمق، بل إنها تدفع المثقف العربي الراهن لفهم ما الذي يعنيه هذا المفهوم بالنسبة له، وما حدود استخداماته المختلفة، سواء على مستوى الفكر أو على مستوى الواقع.

يرى الجابري أن ظهور المثقف العربي في البيئة الإسلامية، بدأ مع مقتل عثمان ومحاولة البعض اتخاذ بعض القرارات في هذا الخلاف وما استتبعه من فتنة وشقاق في الحضارة الإسلامية.

فالواضح أن المسلمين في صدر الحضارة الإسلامية، لم يواجهوا مواقف حادة تجعل جماعة منهم يتخذون قرارات هامة تجاه فريقين متناحرين، أو لنقل مختلفين، مثلما كان الحال على سبيل المثال بين جماعة علي بن أبي طالب وجماعة معاوية بن أبي سفيان.

ولم يقف الأمر فقط عند هذا الخلاف، فقد ظهرت فئة أخرى من المثقفين المسلمين في ما يتعلق ببعض القضايا الحرجة، مثل مسألة القدر وخلق القرآن.

أما القرن الرابع عشر، الذي يراه الجابري بحق قرن اللامركزية في العالم الإسلامي؛ «عصر إمرة الأمراء» و«الدول المستقلة» على حد تعبيره، فقد اتسم بعدم وجود مشروع ثقافي للدول ككل، وهو أمر أدى لشيوع نوع من المثقفين أطلق عليهم الجابري اسم «مثقفو المقابسات»، وهم المستهلكون للثقافة الآخذون من هنا وهناك، حيث يحضرون في كافة المجالس الثقافية الخاصة بالوزراء والأمراء، إضافة للمجالس التي يعقدها هؤلاء المثقفون أنفسهم.

وإذا كان الجابري قد حاول «تبيئة» مفهوم الثقافة من خلال تتبعه للحضارة الإسلامية منذ صدر الإسلام، مع التركيز بشكل خاص على القرن الرابع عشر، فإنه أكسب كتابه أهمية خاصة من خلال بحثين تناولا شخصيتين إسلاميتين هامتين، هما ابن حنبل وابن رشد، مع التركيز على مأساتهما في الحضارة الإسلامية.

وهي مسألة تمنحنا فهما لنوعية البيئات التي واجهها المثقفون المسلمون الأوائل، كما تضيف فهما للسياقات التي يواجهونها الآن.

لقد تعمد الجابري أن يختار حالتين تمثلان مواجهة بين المثقف والسياق المحيط به، أولهما عالم دين، وثانيهما فيلسوف. وفي الحالتين كانت يد السلطة الغاشمة هي الأعلى والأكثر تطويقا وإرهابا.

واجه ابن حنبل، الخليفة المأمون الذي كان يقف مع القائلين بعدم خلق القرآن، مقابل الآخرين الذين يرون بخلقه ومنهم ابن حنبل. ورغم وفاة المأمون، فإن أزمة ابن حنبل لم تنته بقدوم المعتصم، بل زادت واستفحلت، بسبب رفضه القول بعدم خلق القرآن.

ويرى الجابري أن «ابن حنبل هو وحده الذي ظل صامدا متحديا، أما الباقون فقد قالوا جميعا بقول أمير المؤمنين بصورة أو بأخرى». ويفسر الجابري محنة ابن حنبل في ضوء توظيف الديني من أجل السياسي؛ فلم تكن البيئة في هذا السياق التاريخي تفهم السياسي وتتعامل معه، إلا من خلال جملة مفاهيم وقضايا دينية، مثل الجبر والقدر، وحكم مرتكب الكبيرة، ومضمون الإيمان.

وكما اتهم المأمون ابن حنبل بالانحراف عن صحيح الدين، فقد اتهم يعقوب المنصور الموحدي، ابن رشد وجماعته من العلماء بالانحراف عن الدين، من خلال وصفه لكتبهم «بأنها مسطورة في الضلال، ظاهرها موشح بكتاب الله وباطنها مصرح بالإعراض عن الله، أسياف أهل الصليب دونها مفلولة وأيديهم عمّا يناله هؤلاء مغلولة».

في الحالتين كانت سلطة الحاكم الخليفة هي القادرة على القهر والسجن وإحراق الكتب. وفي الحالتين كانت الأسباب الدينية هي المعلنة، وفي الخلف منها الأسباب السياسية التي تخص الحاكم وفهمه وما هُيئ له، أو ما دفعه البعض لكي يفهم الأمر عليه.

مرت قرون جديدة على المأزق الحاد بين السياسي والديني، إلا أن اللافت للنظر أن البيئة العربية الإسلامية، ما زالت تواجه المثقفين بمثل هذا العنف الذي تناوله الجابري الذي أفنى عمره من أجل البحث عن بنية العقل العربي غير الموجودة.. رحم الله الرجل، وعوضنا عنه من يواصل البحث عن العرب أنفسهم!

كاتب مصري

salehabdelazim@hotmail.com

طباعة Email
تعليقات

تعليقات