حوار مع الصادق المهدي

حوار مع الصادق المهدي

عندما ذهبت للقاء السيد الصادق المهدي، كنت أشعر بالمرارة لما يحدث في أوطاننا، وخرجت من اللقاء وأنا على قناعة بأنه رغم الاختلافات بين ظروف بلداننا العربية في التفاصيل، إلا أن العلة واحدة والعلاج واحد.

فقد تلقيت الأسبوع الماضي دعوة كريمة من رئيس وزراء السودان السابق، للقائه بمقر إقامته في القاهرة. وفي طريقي للقاء، كنت أفكر في ما يجري لأوطاننا الواحد بعد الآخر، من العراق ولبنان واليمن إلى مصر والسودان، ناهيك عن فلسطين طبعا.

كنت أشعر بالمرارة بعد الفشل المدوي الذي منيت به مصر على أرضها في مفاوضات دول حوض النيل، وكنت أفكر أيضا في ذلك الطابع الاستعلائي الذي صارت تتسم به السياسة المصرية تجاه إفريقيا، والذي عكس نفسه في صورة إنكار لوجود مشكلة أصلا، ثم حين تفاقمت الأزمة مع دول حوض النيل وتحول الإنكار إلى إصرار على أن المشكلة مصدرها الآخرون.

سواء كان هؤلاء هم دول المنبع أو الأطراف الخارجية، مثل إسرائيل وأميركا. وكأن مصر لم تعط ظهرها أصلا لإفريقيا ـ بل وللسودان ـ وتنازلت عن دورها، فآلت الأمور لما آلت إليه.

وكنت أفكر في الانفصال الوشيك لجنوب السودان، باعتباره الدلالة الأهم لما جرى في الانتخابات السودانية، الأمر الذي زادني شعورا بالمرارة.

دار الحديث في ذلك اللقاء حول الانتخابات السودانية، فأكد محدثي ما كنت أعتقده، وهو أن أهم دلالاتها أن الانفصال صار واقعا.

كان واضحا بالنسبة لي، من خلال ما قاله الصادق المهدي، ان هذا الانفصال هو نتيجة لما اقترفته أيدينا ـ نحن العرب ـ لا ما يحيكه لنا الآخرون من مؤامرات، والذين لا ينجحون أبدا إلا إذا سمحنا نحن بذلك النجاح. فهو قال إن فكرة المطالبة بتقرير المصير لم يجمع عليها الجنوبيون إلا في عام 1993، كرد فعل لقيام نظام حكم في السودان له نظرة إسلاموية وحزبية إقصائية وضيقة الأفق، اختار معها الجنوبيون الانفصال، باعتبارهم لا عربا ولا مسلمين.

وأضاف أن النظام السوداني حين تراجع أمام المعارضة الواسعة لسياساته في الجنوب، بل ومن داخل الجسم الإسلامي نفسه، وأبرم اتفاقية السلام، فإنه أبرم اتفاقا بدلا من أن يدفع نحو وحدة السودان، كانت بنوده تحمل بين جنباتها ما يكرس الانفصال.

فعلى سبيل المثال، تم الاتفاق على أن تطبق الشريعة الإسلامية في الشمال على أن يظل الجنوب علمانيا، الأمر الذي كرس مفهوم الانفصال ومنهجه أصلا. وحين صار للجنوب أن ينال في ظل الوحدة نصف بترول الجنوب، كان طبيعيا أن يصبح الانفصال أكثر جاذبية، لأن في ظله يتمتع الجنوب بكل ثروته بدلا من نصفها.

وقد أشار الصادق المهدي إلى أن ممارسات النظام السوداني، كانت لا تقل خطورة في تشجيعها على الانفصال من النصوص ذاتها. فالطريقة التي أدار بها النظام اقتسام السلطة، أدت في الواقع إلى خلق المزيد من عدم الثقة، مما عزز الرغبة في الانفصال.

ويرى الصادق المهدي أن الدولة التي ستنشأ في الجنوب، ستكون بالضرورة «عدائية» لدولة الشمال، وستكون «مغناطيسا جاذبا لكل التيارات العالمية المعادية للشمال ولحلفاء الشمال الطبيعيين».

وتوجد علاقة مباشرة بين ما يجري في الداخل السوداني، ومستقبل الاتفاق حول مياه النيل. فانفصال الجنوب يأتي وسط مناخ استقطابي في حوض النيل بين دول المنبع والمصب، الذي هو نتيجة مباشرة «لإهمال مصر والسودان لدبلوماسية النيل» على حد قول الصادق المهدي.

الذي شرح بموضوعية وجهة نظر دول المنبع، فقال إنه في بعضها مناطق بعيدة عن مجرى النهر فيها شح في المياه ومجاعات، ومن ثم نشأت حاجة لدى هذه الدول لاستخدام مياه النيل لعلاج أزمات تلك المناطق. وفي ظل تزايد السكان والتطور التكنولوجي الهائل، صارت هناك حاجة وإمكانية في آن معا.

لكن كل ذلك وجد آذانا صماء لدى دولتي المصب ـ مصر والسودان ـ اللتين لم تستخدما سوى رد واحد «عليكم الالتزام بالاتفاقات القديمة». لكن تلك الاتفاقات عند دول المنبع هي اتفاقات أبرمت في زمن الاستعمار، أي لم تبرمها تلك الدول بإرادتها الحرة.

هذا فضلا عن أن مصر والسودان اللتين ترفضان اليوم أي اتفاق لم تشتركا فيه، كانتا قد وقعتا معا اتفاقا في 1959، لم يشركا فيه دول المنبع. بعبارة أخرى، فإن أصل المشكل وجوهره سياسي في المقام الأول، كما قال الصادق المهدي، وليس قانونيا، وهو يستدعي العمل جديا من أجل التوصل لاتفاق يأخذ مصالح كل الأطراف في الاعتبار.

لم يبد محدثي تفاؤلا، معربا عن قلقه من وجود إدارة الري في مصر والسودان، في أيدٍ قليلة الخبرة بملف النيل أصلا، واستبعاد الأيدي الخبيرة، مثل محمود أبو زيد في مصر ويحيى عبد المجيد في السودان.

في طريق العودة بعد اللقاء، لم تغب عن ذهني المفارقة. فأنا لم أكن أعلم أن في السودان ـ كما في مصر ـ تم استبعاد الأيدي الخبيرة بملف النيل في تلك الظروف. ظلت تلك «الصدفة» تدور في خلدي، ورحت أتأمل من خلالها كل ما دار في اللقاء.

أليس واضحا أن ما يجري في عالمنا العربي، سببه الاستبداد الذي يؤدي بالضرورة لعشوائية وفردية في صنع القرار، لا تخضع للمحاسبة فتؤدي، لا فقط لضياع الحقوق والمصالح، وإنما تؤدي في كثير من الأحيان لضياع الأوطان نفسها؟

بعبارة أخرى، ألا تتفق معي، عزيزي القارئ، في أنه قد صار واضحا تماما أن أزمة الديمقراطية في عالمنا العربي، ليست مجرد واحدة ضمن حزمة مشكلات تتساوى في الأولوية، وإنما هي المشكلة الأهم، بل هي المفتاح الحقيقي لحل باقي المشكلات؟

كاتبة مصرية

manarmes@yahoo.com

طباعة Email
تعليقات

تعليقات