يفترض الآن أن تكون فترة العزاء قد انتهت، أو كما يقول السودانيون: رفع الفراش، وتوقف الحداد السياسي، والولولة وشق الجيوب، من هول ما حدث.
وأن يبدأ السياسيون والجماهير حياتهم العادية، وبالتالي التساؤل بعقل، ودون انفعالات وردود فعل عاطفية تسعى للتبرير والاعتذارية، هروباً من مواجهة الحقيقة: كيف حدث ما حدث؟ وهل كان من الممكن ألا يحدث، على الأقل بمثل هذه السهولة؟ ومن البداية يصعب نفي التزوير والتدليس والاحتيال والكذب، كممارسة أصيلة في حالات عديدة خلال هذه الانتخابات.
وهذا النجاح في تمرير عمليات التزوير والاحتيال، ثم القدرة على المغالطات وتزييف الواقع، لا يعود إلى قدرات المؤتمر الوطني فقط، ولكنه يرجع إلى ضعف الأحزاب المعارضة فكرياً وتنظيمياً وإعلامياً.
والأهم من ذلك، إلى المكابرة التي تتميز بها هذه الأحزاب، فهي لا تعترف مطلقاً بأخطائها، ولديها عضوية متخصصة في التبرير وإرهاب الناقدين والإساءة لهم.
فالأحزاب لا تنقد ذاتها، ويقف بعض منظريها بالمرصاد لمن تسول له نفسه أن ينبهها إلى أخطائها.
بعد العبور في حرب أكتوبر 1973، عمت في كل أرجاء الكيان الصهيوني، حملة تحت شعار «التقصير»، وكان المقصود هو حدوث تقصير من المسؤولين تسبب في نجاح العبور.
وكانت حملة شاملة نقدية، لتحديد المسؤولية ثم المحاسبة. وقد دلت الحملة على عقلانية مواطني الدولة الصهيونية، وكذلك الشجاعة في مواجهة الذات.
وهذا هو السبب الحقيقي لتفوقهم علينا في كل المجالات. وقد كانت الأحزاب السودانية في أشد الحاجة لمثل هذه الحملة بعد انقلاب 30 يونيو 1989، وذلك تحت اسم «التفريط»، فقد فرطت كل الأحزاب بلا استثناء في الحفاظ على الديمقراطية وحمايتها.
فقد كان الانقلاب أقرب إلى حادثة المرور، واستطاع 300 شخص، ليسوا كلهم من العسكريين المحترفين، نزع السلطة من حكومة وحدة وطنية، أي تضم أكثر من حزب. يضاف إلى ذلك أن كل أجهزة الدولة الأمنية والعسكرية، كانت في يدها كاملة. والأهم من ذلك، كان الانقلاب مكشوفاً وحديث الشارع والناس العاديين.
ورغم مرور قرابة 21 عاماً، لم يمتلك أي وزير أو مسؤول سابق، الشجاعة ويتحمل الخطأ ويبين لنا حجم التفريط في الأمانة التي كلفهم بها الشعب السوداني. ولأن النقد لم يحدث، واستمر الهروب من المسؤولية، فمن الطبيعي أن يفرض المؤتمر الوطني نتيجة الانتخابات المزورة، ويجعل منها أمراً واقعاً ويجلب لها المساندة الخارجية.
فالمؤتمر الوطني مدرك تماماً لأن هذه الأحزاب ذات الذاكرة الضعيفة والإرادة المتهافتة، سوف تناسي كل شيء وتتعامل مع الأمر الواقع لأربع سنوات مقبلة، يجهز خلالها المؤتمر الوطني مسرحية جديدة وتمر أيضاً.
ومن الواضح أن الأحزاب بشكلها وعقلها الراهنين، لا تريد أو لا تستطيع أن تكوّن تاريخاً، وكأنها تخشى التاريخ وتركن دائماً للنسيان أو التناسي. وهذه حيلة ماهرة للتهرب من المسؤولية أو تأنيب الضمير. وهنا لا بد أن ترتبط الدعوة للإصلاح الحزبي، بضرورة أن تكتب هذه الأحزاب تاريخها بموضوعية كاملة.
ترتبط مع عملية «التأرخة»، ضرورة القدرة على التحليل والفهم العميق للأحداث، وربطها واكتشاف علاقاتها. وهنا تواجه الأحزاب مشكلة عميقة، تتمثل في قدرات كوادرها ومنظريها، إذ يتقدم هذه الأحزاب كثير من الذين يدعون الفكر والتحليل، بينما لا تتعدى قدراتهم السجالية والمغالطات واللعب باللغة. فهؤلاء يخلطون بين الفصاحة والفكر العميق، لذلك يبالغون في الإسهاب والرغي والاستشهاد بالشعر والتراث... الخ.
وهنا يظهر عدم التمييز بين الكلام والأفكار، فقد نجد مقالات تحوي مئات الكلمات، ولكنها خالية من أي فكرة. وقد لازم هذا الخلل عمل الأحزاب، منذ نشأتها في أحضان الحركة الوطنية خلال أربعينات القرن الماضي. فقد كانت الخطابة وتهييج الجماهير للخروج في المظاهرات ضد الاستعمار، هي المطلوبة.
وظهر الزعماء أصحاب الحناجر القوية والكلمات الرنانة، وهم الذين قادوا المرحلة السابقة، ولكن أثرهم ظل باقياً وقوياً على العمل السياسي حتى اليوم. وكان الوضع الراهن دليلاً على غياب التحليل وبقاء الخطابة، فقد شنت الأحزاب حملة قوية لإثبات التزوير والانتهاكات الانتخابية.
وكان كل ذلك الجهد في المؤتمرات الصحافية والمقابلات الإعلامية، وكل ذلك على الهواء. فمن الناحية التوثيقية، لم تقم أي جهة حزبية أو منظمة مجتمع مدني، بإصدار وثيقة تحتوي كل هذا الكلام المبعثر، والذي قدمته جهات عديدة سودانية وغير سودانية. وأخشى أن تكون المعركة قد انتهت عند هذا الحد.
وهذا أمر ليس بمستبعد، لأن قيادتنا تعوزها المثابرة والمتابعة والنفس الطويل. وكل هذه خصال لا بد أن تتوفر في أصحاب القضايا الكبرى.
ومن أخطر ما أصاب العمل السياسي خلال سنوات حكم الإنقاذ، هو انفصام الصلة بين القيادات الحزبية والجماهير، فلم تعد الأحزاب قادرة على تحريك الجماهير، مهما كانت خطورة القضايا التي تواجه البلاد.
وخلال أكثر من عشرين عاماً، حاولت الأحزاب النزول إلى الشارع مرتين. الأولى، كانت للتظاهر ضد الأسعار، وتم تفريق المظاهرة وتشتيتها قبل أن تبدأ.
وكانت المرة الثانية في نهاية العام الماضي، تحت لافتة أحزاب مؤتمر جوبا، ضد عدم تنفيذ مستحقات التحول الديمقراطي والفترة الانتقالية. وقد كان الموكب الأول ناجحاً نسبياً، ثم فشلت المحاولات التالية.
والآن يستغرب الإنسان كثيراً: أين هي الجماهير التي سرقت أصواتها أو زيفت؟ لم نسمع أي احتجاج، إذ تتكلم القيادات أو المرشحون فقط. ولم تبد الجماهير أي شكل احتجاجي، ولم نشعر بغضبها.
وهذا ما يسمى العمل السياسي بالوكالة، خاصة حين يصرح أحد السياسيين بأنهم سوف يخرجون ملايين الناس إلى الشارع! الجماهير تخرج عفوياً وتلقائياً إلى الشارع، ولا يخرجونها وكأنها محبوسة في أقفاص وتنتظر إشارة الزعماء.
هذا وضع شديد الغرابة، حين يختفي الناس الذين زورت أصواتهم، هل يعني ذلك أنهم راضون أم غير مبالين؟ وهنا مقتل أي حركة سياسية، حين يصاب الناس باللامبالاة وتتساوى كل الأشياء لديهم، إذ يعني ذلك غياب الوعي الذي ينبني عليه الإقناع والحماس والحركية.
خلق غياب القيادات عن قواعدها والانفصام بين الزعامة والجماهير، ركوداً في العمل السياسي، سوف يستفيد منه الأكثر ديناميكية، وهو في هذه الحالة المؤتمر الوطني، والذي سوف يعمل على تعميق هذه الفجوة، لكي يمرر مشروع هيمنته على السلطة عن طريق «شرعية شعبية» تمت هندستها جيداً، ووقفت ضدها المعارضة بحماس البداية، ولكن لم تمتلك أدوات المعركة المستدامة.
كاتب وباحث سوداني
ssc_sudan@yahoo.com
