تستقطب تايلاند، هذه الدولة الواقعة في جنوب شرق آسيا، والتي تبلغ مساحتها 514 ألف كيلومتر مربع، وعدد سكانها 65 مليون نسمة، اهتمام أجهزة الإعلام العالمية، بسبب الأزمة التي تعيشها منذ شهر مارس الماضي.
جذور الأزمة التايلاندية ليست وليدة الساعة، بل إنها تعود إلى الانقلاب العسكري الذي حصل سنة 2006، وقضى على المؤسسات الديمقراطية في البلاد، وأجبر رئيس الوزراء السابق تاكسين شيناواترا على الإقامة في المنفى، والذي يؤيده عدد كبير من ذوي «القمصان الحمر».
ومنذ ذاك التاريخ تعيش تايلاند على وقع الصدامات بين قوتين طبقيتين متصادمتين في البلاد، جراء التناقض الصارخ في خياراتهما الاقتصادية والسياسية.
وتتكون القوة الأولى من الفئات المنضوية في إطار «الجبهة الموحدة للديمقراطية ضد الديكتاتورية» المعروفين بذوي «القمصان الحمر»، وهم القوة الأساسية التي تتشكل منها المعارضة التايلاندية لرئيس الوزراء الحالي أبهيست فيجاجيفا.
ويضم «القمصان الحمر» في صفوفهم نسبة كبيرة من سكان المناطق الفقيرة، الذين نظموا مظاهرات كبيرة منذ 14 مارس الماضي وسط بانكوك، وفرضوا حصارا على الأحياء التجارية والمالية، الأمر الذي قاد إلى شل نشاط المركز السياحي في العاصمة وتوقف الحركة في الطرق الرئيسة.
وقد أدى اختبار القوة هذا مع الحكومة التايلاندية، إلى سقوط 28 قتيلا وحوالي ألف جريح، دون أن تظهر أي بشائر حل في الأفق. ويطالب المتظاهرون باستقالة رئيس الوزراء الحالي وإجراء انتخابات مبكرة خلال ثلاثة أشهر، وبتمثيل أفضل للطبقات الشعبية، وبعودة النظام الدستوري الذي كان سائدا قبل الانقلاب العسكري عام 2006 ضد رئيس الوزراء السابق.
وتتكون القوة الصدامية الثانية في الأزمة من ذوي «القمصان الصفر»، الذين ينتمون إلى صفوف الطبقات الوسطى والميسورة، ويدافعون عن الحكومة الحالية والنخب الارستقراطية والمالية في بانكوك، ويعتبرون أنفسهم ضمانا للملكية، ويدينون الشلل الذي عصف بالبلاد منذ احتلال «القمصان الحمر» وسط العاصمة.
وكان ذوو «القمصان الصفر» احتلوا مطار العاصمة بانكوك سنة 2008، ونجحوا في حل «حزب السلطة للشعب» الحاكم في البلاد.
في ظل انسداد أفق الأزمة، وغياب التوصل إلى تسوية سياسية بين الطرفين المتصارعين، والخوف من اندلاع حرب أهلية بين «القمصان الحمر» و«القمصان الصفر»، تتجه الأنظار إلى الجيش، وقائده القوي الجنرال أنيبونغ باوجيندا، الذي صرّح في مقابلة تلفزيونية يوم الجمعة 23 إبريل الماضي، بأن اللجوء إلى القوة لن يضع حداً للمشاكل الحالية. وقال إنه لن يعطي الأوامر للجيش بسحق «الحمر»، لكنه سيمنع «الحمر» و«الصفر» من تحويل العاصمة إلى ساحة معركة بين الطرفين.
يعتقد الجيش التايلاندي أن المشاكل السياسية في البلاد يجب أن تحل بالطرق السياسية، والجيش وظيفته أن يبقى في الثكنات، لا أن يقتل التايلانديين.
ويتعرض الجيش التايلاندي لضغوطات قوية من جانب ذوي «القمصان الصفر»، أنصار الملكية والمدافعين عن النخب التقليدية، والذين تربطهم علاقات قوية مع الدوائر المتنفذة في قمة السلطة، وداخل القصر الملكي، من أجل أن يقوم الجيش بسحق «القمصان الحمر»، وهو الخيار الدموي الذي يرفضه الجنرال أنيبونغ.
بيد أن القيادات العسكرية المتنفذة في الجيش، تعتبر أن مقاتلة عدو خارجي شيء، ومقاتلة الشعب في الداخل شيء مختلف، والحال هذه فإن الجيش يميل إلى البحث عن تسوية سياسية.
ويعتقد المحللون أن الأزمة التايلاندية قد تستمر أسابيع، وهو ما من شأنه أن يؤثر على السياحة في البلاد، التي تشكل 6% من اقتصاد تايلاند، وتوظف 15% من الأيدي العاملة.
فهل ستلبي الحكومة التايلاندية مطالب المعارضة بحل الحزب الديمقراطي الحاكم، الذي يتزعمه رئيس الوزراء أبهيسيت فيجاجيفا، وإجراء انتخابات مبكرة، أم أن الوضع السياسي سيتجه نحو مزيد من التأزم، وربما إلى انفجار «ثورة حمراء»؟!
كاتب تونسي
tawfik-m@scs-net.org