كثيراً ما يواجهني السؤال عن عملي وكتاباتي: كيف أفكر؟ وماذا أكتب أو متى وأين أكتب؟

وأراني أبدأ سرد شهادتي حول تجربتي، باستعادتها على سبيل التأويل، بالقول؛ أنا لم أكتب يوماً بعقل بارد أو لغرض أكاديمي بحثي، يلتزم بقواعد المنهج الصارمة أو بقوالب النسق الضيقة. ما أؤلفه يشكّل مقالة فلسفية حرّة، ولكن مفتوحة على الأحداث أو مصوغة على وقع الصدمات والمفاجآت، بقدر ما تتغذى من المعايشات والمكابدات.

من حيث الشاغل، لست من أصحاب المشاريع الكبيرة التي يطمح أصحابها إلى القيام بمسح شامل للتراث العربي والثقافة العربية، أو بإعادة كتابة تاريخ الإسلام، أو بصوغ مشروع جديد للنهوض العربي، أو بنقد العقل الغربي والمركزية الغربية... فهذا ادعاء لا أدعيه، ولا أعتقد أن بوسع فرد أن يفيه حقه من الجهد والدرس والتنقيب.

نحن إزاء مشاريع يحتاج الواحد منها إلى فِرَق عمل من الباحثين. ما أقوم به، بدلاً من ذلك، هو أن أقرأ المجريات وأحلّل المعطيات، بأدوات حقلي من لغات الفهم ومناهج الدرس وصيَغ العقلنة، بالاشتغال على نص، أو حدث، أو ظاهرة، أو قضية، أو تجربة.

لا يعني ذلك أنني أتعرى من همومي الأيديولوجية والنضالية، ولكنها مجرد حافز لكي أتقن عملي وأنجح في مهنتي التي هي تجديد العدة الفكرية، في ما أتناوله من القضايا والموضوعات.

فما عرقل أعمال الإنتاج المعرفي في العالم العربي، هو تحوُّل الفيلسوف والعالِم إلى مُصلح أو داعية أو مناضل.. من هنا لا أعتبر أن مهمتي الأولى هي الدفاع عن حريتي أو هويتي؛ وإنما أن أُفكك مآزق الحرية وأفخاخ الهوية، لكي أفهم كيف تترجم الحرية استبداداً أو الهوية حروباً أهلية.

كتاباتي هي نقدية. والنقد بالمعنى الفلسفي، هو نقد الذات أولاً، بارتداد المفكر على أفكاره ومراجعة الفيلسوف لمفاهيمه. هذا ما جعلني أفتح ملف قبيلتي الثقافية، على وقع انهيار المشاريع وسقوط الشعارات، محاولاً إعادة النظر في دور المثقف ومهمته ومكانته وصورته عن نفسه، فضلاً عن مقولاته واستراتيجيته في التدخل بالشأن العمومي.

ومن الفاضح أن هذا النقد قد لاقى صداً وهجوماً، من جانب المثقفين الذين يتصرفون ككائنات أيديولوجية تشتغل بالترويج والتبجيل، أو على الضّد، بالتهجم والتبخيس. هذا مع أنهم يرفعون شعار «النقد الذاتي»، ولكنهم أول من ينتهكه. وهذا شأن الداعية الذي ينقلب على دعوته وينتهك شعاراته.

هذا أيضاً ما جعلني أقف موقف النقد من نقاد العقل، لأعكس الآية وأكسر الصورة، فقد أضاعوا خارطة الطريق بقدر ما فكروا بصورة مقلوبة. فهم حسبوا المشكلة هي الحل، وبالعكس. أعني أنهم ظنوا أن أزمة العقل خارجية، مصدرها الطاغية أو الكاهن أو شيطان يوَسوس، أو يصنعها الآخر الذي يجتاح العقل من الخارج.

هذا في حين أن مشكلة العقل هي داخلية، بنيوية، كما تتجسّد في خرافاته وأوهامه وقوالبه المتحجرّة.

بهذا المعنى، فإن أزمة العقل، سيما في العالم العربي، هي مع أهله من الذين عجزوا عن تشريح بنيته، لتطوير مفهومه وتجديد صيَغ العقلنة، أي كل الذين يحدثوننا عن اجتياح العقل واحتلاله واغتياله وتجويفه.. والسؤال هنا: كيف يسع الآخر احتلال عقولنا التي تعشّش فيها التهويمات والخرافات والشعوذات والتعميات؟

من حيث الاتجاه، فأنا أندرج في الموجة الحداثية الجديدة (ما بعد الحداثة)، التي أفدت من طفراتها المعرفية وثوراتها المنهجية وشبكاتها المفهومية. ولكنني اشتغلت عليها واستثمرتها، وأعدت تصنيعها في ضوء لغني وبيئي وهمومي ومشاغلي وأسئلتي، في ما تناولته من المسائل، أو صغته من المقولات؛ كالمنطق التحويلي، والإنسان الأدنى، والعقل التداولي.

هذا ما تجلى بشكل خاص في كتابي «النص والحقيقة»، حيث يجري الانتقال من «نقد العقل» إلى «نقد النصّ»، ويتركز الاهتمام على درس مفاعيل الخطاب والنص، في إنتاج المعنى وبناء الحقيقة وصوغ الأفكار وتركيب المفاهيم.

مثل هذه الاستراتيجية في التعاطي مع النصوص، تجعلني أتجاوز المنطق الكلاسيكي في التعامل مع مسألة الحقيقة. فأنا ناقد للحقيقة، ولذا لا أعدّ نفسي محققاً باحثاً عنها، بوصفها معطى جاهزاً أو جوهراً ثابتاً أفتش عنه لكي أقبض عليه.

لقد تحررت من هذه الأسطورة، فما أقوم به، إذا كنت قد أنجزت شيئاً، هو خلق وقائع أو إنتاج حقائق، تتجسّد في الأعمال والنصوص التي أصنع بها حقيقتي، بل سلطتي، بقدر ما تشكّل عند من يقرأها إمكانات للتفكّر والتخيّل أو للاستيحاء، تنفتح معها آفاق وأبواب لعمل الفهم والتشخيص.

ولهذا فأنا أحتج دوماً عندما يقال لي «باحث». فهذا اللقب هو أبعد ما يكون عن نفسي وعقلي، إذ هو يطمس مهنتي، فأنا لست عاملاً في مركز للأبحاث، بل كاتب في ما أكتبه حول مفردات الوجود وشؤون الحياة وقضايا الفكر؛ وهو إلى ذلك ينقض فلسفتي ووجهة نظري، لأنني لا أتعامل مع الحقيقة، بمفردات البحث أو الكشف أو القبض أو الشهادة... بل بمفردات الخلق والإنتاج والتحول والتداول.

من حيث الممارسة، فأنا أتعاطى مع مهنتي على الطريقة السقراطية، بمعنى أنني أنخرط في المناقشات في مختلف أمكنة الفضاء العمومي ودوائره ووسائله: في المنتدى والمقهى، في الصحافة ومن على الشاشة، في المكتبة ومعرض الكتاب، وأحياناً في الشارع وسيارة الأجرة.

ومن الطرائف في هذا الخصوص، أن البعض الذي يلتقيني دوماً، في منطقة رأس بيروت وفي شارع الحمراء حيث أتردد على المقاهي غير مرّة في النهار، أقرأ أو أكتب أو أنخرط في الحديث والمناقشة، حول مختلف الشؤون والشجون، يسألني: ماذا تعمل؟ ومتى تعمل؟ أو أين تعمل؟

وأُجيب بأنني أعمل في الشارع، وقد يكون غيري في مكتبه ولا يعمل.

أقصد أنني أكتب في البيت من السادسة إلى التاسعة، ثم أخرج، ولكن تبقى مسائل عالقة أو معادلات غير مستوية، فأحاول حلها أو تركيبها وتسويتها، وأنا أمشي أحياناً في الشارع.

أنا في هذا الخصوص، بعكس كثيرين لا يحسنون الكتابة إلا في أجواء هادئة أو منعزلة. أنا على خلاف الشيخ الرئيس ابن سينا الذي كان يقول: لو كلفت شراء بصلة لما تفكرت في مسألة. لأنني أفكر وأكتب وسط الضوضاء، دون أن أسمع ما يحدث من حولي.

والسؤال؛ هل أنا أفكر بصورة حرة، أم تحولت إلى مصنع فكري؟ هل أنا حقاً ذات مفكرة، أم مجرد آلة تفكر؟ من المبالغة الادعاء بأننا نملك ملء الحرية في الاختيار والقرار، فلو كنا كذلك، لما كنا نفاجأ دوماً بما لا نريده ولا نسعى إليه.

فنحن أصحاب أجسادٍ لها برامجها وآلياتها ورغباتها ونزواتها التي تلعب من وراء ذواتنا والفكر. أقصى ما يطمح إليه المرء، هو إجراء تسوية أو مصالحة مع الذات والآخر والعالم، وعلى النحو الذي يتيح للواحد أن يتغيّر عما هو عليه، بإنتاج معنى مختلف لحياته وتركيب صورة جديدة عن نفسه.

كاتب ومفكر لبناني

harb@cyberia.net.lb