الهبّة التي قامت بها وزارة العمل لنصرة الموظفة الصينية التي اتهمت كفيلها بتخييرها بين خفض راتبها أو إنهاء خدماتها وترحيلها إلى بلدها، وفق ما نشرت صحيفة «الإمارات اليوم» الأسبوع الماضي، أتت متزامنة مع الزيارة التي قامت بها المفوضة السامية للأمم المتحدة لحقوق الإنسان إلى دولة الإمارات، في إطار الجولة التي تقوم بها في دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، للاطلاع على التقدم الذي تحققه هذه الدول في مجال حقوق الإنسان.

وزارة العمل تعهدت، في إطار طرح قضية الموظفة الصينية، بمقاضاة أصحاب الشركات والمنشآت الذين يساومون العمال المكفولين لديهم على خفض رواتبهم والامتيازات الوظيفية المنصوص عليها في العقود المبرمة معهم، في حال ثبوت المخالفة.

وأكدت أنها ستوقف ملفات هذه الشركات وتوقع غرامات وعقوبات مناسبة عليها، وهذا شيء يسعدنا ويسعد بالطبع المفوضة السامية للأمم المتحدة لحقوق الإنسان، التي قالت في مؤتمر صحافي استهلت به زيارتها للدولة، إن الإمارة تتماهى مع القوانين والمبادرات الدولية لمعالجة قانون الكفالة وأوضاع العمال.

ليس ثمة رابط مباشر بالطبع بين حادثة الموظفة الصينية التي تقدمت بشكواها خلال فعاليات اليوم المفتوح بمقر وزارة العمل في أبوظبي، وبين تصريح المفوضة السامية للأمم المتحدة لحقوق الإنسان وزيارتها التي التقت خلالها صاحب السمو رئيس الدولة، وصاحب السمو نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، وكبار المسؤولين.

وممثلين لمنظمات المجتمع المدني، وخرجت من هذه اللقاءات بانطباعات جيدة، عبرت عنها عندما أشادت بالتقدم الذي أحرزته الدولة على المستويين التشريعي والعمالي في مجال ضمان وتوفير الحقوق الأساسية للعمالة في الدولة، والمحافظة على حقوقهم، خصوصاً في مجال توفير السكن الملائم للعمال، ودفع مستحقاتهم دون تأخير، ومن خلال النظام المصرفي في الإمارات.

كل هذا جميل ورائع، يقدم صورة طيبة عن دولتنا التي تتعرض بين فينة وأخرى لاتهامات جائرة من قبل بعض المنظمات الدولية وغير الدولية، وحملات تشنها عليها بعض الأقلام والصحف في الخارج، لكنّ الأجمل هو أن نهبّ .

أيضاً لإنصاف الموظفين المواطنين الذين يتعرضون أحياناً للجور على حقوقهم من قبل بعض الشركات الخاصة والمساهمة التي للحكومة نصيب فيها، فبعد الأزمة المالية التي عصفت بالعالم في شهر سبتمبر عام 2008 .

وكانت لها انعكاساتها على جميع دول العالم، قامت إحدى الشركات العقارية المساهمة الكبرى بمساومة موظفيها وتخييرهم بين خفض رواتبهم أو البحث لأنفسهم عن وظائف في أماكن أخرى، وقد اضطر بعضهم للرضوخ والقبول بالأمر الواقع، بينما فضل البعض أن يبحث لنفسه عن وظيفة في مكان آخر خشية أن يتعرض لما هو أسوأ من ذلك.

ولم نسمع حينها أن هناك من هبّ لنصرة هذا الموظف المواطن أو مقاضاة الشركة التي أخلت بعقدها معه وساومته على خفض راتبه، كما لم نسمع أن هناك من حاسب أصحاب الأعمال الذين يتهربون من الالتزامات الخاصة بخطط وقرارات توطين الوظائف في القطاع الخاص، بتحديد أجور منخفضة ومتدنية للمواطنين والمواطنات، ما يدفعهم إلى الاستقالة لعدم كفاية الأجر لمتطلبات الوظيفة، وفق تصريح مدير عام «تنمية» بالوكالة لصحيفة «الاتحاد» يوم السبت الماضي.

تؤكد الاختصاصية في علم الاجتماع بجامعة «ميتشيغان» الأميركية «سارة بيرغارد ساينس»، أن تأثير القلق والخوف من البطالة أسوأ بكثير من فقدان الوظيفة فعلياً، وترى أن انعدام الأمن الوظيفي المزمن يسبب أذى يفوق ذلك الذي تسببه أمراض مثل ارتفاع ضغط الدم أو أضرار التدخين.

وتؤكد أن الإجهاد الناجم عن فقدان الأمن الوظيفي، يمكن أن يكون مميتاً ويسبب حالات مرضية قد تقصِّر العمر، لذلك فإن توفير الأمن الوظيفي في بيئة العمل أكثر أهمية من تأمين الوظيفة نفسها.

وإذا كان القطاع الحكومي يعد أكثر أمناً في السابق من القطاع الخاص، فإن هذا الأمن اهتز كثيراً في الآونة الأخيرة، بعد تغيير قوانين الخدمة المدنية واستحداث ما يسمى ب«إعادة الهيكلة» في القطاعات الحكومية، الأمر الذي وضع مصير الموظفين في أيدي مسؤوليهم المباشرين الأعلى.

وفتح الباب واسعاً أمام التخلص من أي موظف تحت ذريعة «عدم الكفاءة»، التي تشكل ثوباً فضفاضاً يمكن إلباسه أي موظف لا يستظرفه المسؤول، للإلقاء به خارج الوظيفة الحكومية التي كانت ذات يوم ملاذاً آمناً للمواطن، وإحلال من يشاء من المقربين محله.

لقد خلّفت لنا الفترة الماضية جيلاً من المُحالين إلى التقاعد قسراً وهم في قمة عطائهم، لأسباب غير منطقية، بكل ما أفرزته هذه العملية من إحباطات نفسية لموظفين لم يكمل بعضهم عقده الرابع بعد، ومن ضائقات مالية وجدوا أنفسهم فيها نتيجة تقلص رواتبهم التي تحولت إلى «معاشات» وجمودها.

في الوقت الذي لم تتقلص فيه التزاماتهم المالية، كونهم يعيلون أسراً وأبناء يتزايد عددهم وتتزايد متطلباتهم الحياتية كلما كبروا في ظل الغلاء الذي يزداد يوماً بعد يوم.

حدث هذا تحت مظلة النظام القديم الذي ضمن للموظف المواطن عدم إنهاء خدماته قبل قضائه خمسة عشر عاماً في الوظيفة، ما لم يرتكب ما يخل بالشرف والأمانة وواجبات الوظيفة التي يؤديها، أو أجاز، في أسوأ الظروف، إحالته إلى التقاعد إذا تجاوزت مدة خدمته الخمسة عشر عاماً، رغم الإجحاف الذي لحق بالبعض نتيجة الاستغلال السيئ لهذه المادة.

لكن أخشى ما نخشاه في ظل قوانين الخدمة المدنية الجديدة ونظام «إعادة الهيكلة»، هو أن يجد عدد من المواطنين أنفسهم عاطلين عن العمل بعد إخراجهم من الوظيفة الحكومية، لا يتقاضون راتباً ولا معاشاً تقاعدياً بحجة «عدم الكفاءة»، الأمر الذي يتطلب منا وقفة جادة نراجع فيها أنفسنا وقوانيننا، قبل أن يأتي من الخارج من يراجعها لنا ويحصي علينا أنفاسنا.

لقد أكد صاحب السمو رئيس الدولة، أثناء استقباله للمفوضة السامية للأمم المتحدة لحقوق الإنسان، احترام الإمارات للقوانين والتشريعات الدولية، انطلاقاً من إيمانها بمبادئ الشريعة الإسلامية والأعراف العربية التي تحث على احترام الإنسان وتقديره والمساواة بين أفراد المجتمع.. فإذا كنا ننصف الموظفين ولو كانوا من الصين، فمن باب أولى أن ننصف الموظفين الذين هم من هذا الطين.

كاتب من الإمارات

aliobaid4000@yahoo.com