كان قوم في جزيرة ودونها خليج من البحر، فأتاها قوم يريدون أن يعبروها فلم يجدوا معبراً، فجعلوا ينفخون أسقيتهم (جلد يستخدم لحفظ الماء) ثم يعبرون عليها، فعمد رجل منهم فأقلّ النفخ وأضعف الربط، فلما توسط الماء جعلت الريح تخرج حتى لم يبق في السقاء شيء، وغشيه الموت فنادى رجلاً من أصحابه: أن يا فلان إني قد هلكت، فقال: ما ذنبي، يداك أوكتا (شدّتا) وفوك نفخ.

هذا حال كثير ممن لا يحسنون تقدير العواقب فيتزمتون في اتخاذ قراراتهم، ولا يعيرون سمعهم لناصح ولا لصديق، ما يدفعهم إلى التفرد في القرارات الفردية والجماعية على حد سواء، فيرسمون مسارات حياتهم وفق نظرة مغلقة لا يكتنفها سوى الغموض وغياب الوعي، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً، وهؤلاء تراهم يدورون في فلك الأوهام والأحلام الوردية.

يعيشون نشوة الإنجازات قبل تحققها، ويحتفلون بالنتائج قبل أن ترسم على أرض الواقع، لا يكلّفون أنفسهم طلب النصيحة والمشورة، ولا يسعون إلى أولي النهى والعقول الراجحة، يرون من الفتات وجبة دسمة، يقتحمون، بكل جرأة، قضايا مفصلية من شأنها أن تخط مسارات حياتهم، وتضع النقاط على حروف مستقبلهم.

ومثل هؤلاء لا يعوزهم العقل، وإنما يعوزهم إعماله، يتخففون من المشاغل والأعباء، ينشدون الراحة بأيسر جهد، يعبرون من المحيط إلى المحيط في لمح البصر، ويطوفون الأرض في مناماتهم، لهم همم عالية كأكياس البلاستيك المنفوخة، تتقاذفها رياح الزمن ونوائبه.

ومثل هؤلاء لا تكلّف نفسك عناء البحث عنهم، تدركهم عين عابر السبيل، وهم متناثرون هنا وهناك كقطع الخردة، ليس من العسير عليك أن تجمعها فتشكل منها ذلك النموذج اللامتناهي في التخبط والعشوائية، يبحرون وحدهم في سفينة المستقبل، تاركين خططهم وراءهم تقبع على شاطئ البحر، تذرف دموع الحسرة، يطربك حديثهم وتختم على قلبك أفعالهم.

إننا حين نمعن النظر في هذا النموذج من البشر، فإننا نستبصر أموراً تدفع إلى التفكر والترسل في إصدار الأحكام، فالخطأ والصواب ملازمان لحياتنا، ولا يكاد يخلو منهما بشر، ولا يسعى عاقل إلى أن يورد نفسه المهالك، فهو أحرص الناس على بلوغ أعلى مراتب النجاح والتفوق، وهذا موافق لمنطق الحكمة والعقل، والمحروم من لا عقل له ولا حكمة.

وما أجمل ما قال المتنبي: «الرأي قبل شجاعة الشجعان ** هو أول وهي المحل الثاني».. فكم من ذي رأي صائب أدرك بفكر ثاقب ما عجزت عنه مفتولات العضلات، ونال باللسان ما لا يدركه السِّنان.

ولكن، هل يحسن لدى ذي لب أن يبعثر الحجارة في طريقه، أو أن يحيد عن جادة الطريق طائعاً وملك إرادته؟ إن العقل والمنطق لا يستجيبان لهذا التصرف، ولكن حال حصوله فإنه يغدو مدعاة لمحاسبة النفس ومواجهتها بكل شجاعة.

فمن الناس من ينفر من مواجهة ذاته، ويعدها مواجهة خاسرة، فيعلل النفس بالأماني، يبذر من الأعذار بعدد حبات المطر، ويسف من التبريرات ما يكفي دهراً من الانتكاسات، ويرفع عقيرته فتتيه بين السحب.

وحين يصطدم بالواقع المجروح، وحين تراق دماء الطموح، وتلوح إرهاصات الفشل وخيبة الأمل، يتذكر أن يداه أوكتا وأن فاه نفخ، فتتلاشى أمامه كل شماعات الأخطاء ولا يجد متطوعاً يحمل وزره، فيدرك عظم الذنب، وهول المصيبة، فيحاول لملمة الجراح، والخروج بأقل الخسائر، فيقوده قدره نحو المربع الأول، لينقضي العمر في ما ضيّع، وتذهب رياح الفشل بما حَلم. وإذا ما أفاق من هذا الكابوس.

فهو بين أمرين؛ إما أن يعود إلى سباته مرة أخرى ليواجه المصير ذاته، أو أن يستفيق من أوهامه فيبصر بعين البصيرة ما غشي عليه، ويدرك بأن الأمور لا تؤخذ بالمجازفة، ولا بصولات الفرسان العزّل، وأن عليه تشخيص دائه بنفسه، وأن يصف دواءه الناجع، فحينها سيكون قادراً على أن يُحْكِم شدّ سقائه ويحسن نفخه.

كاتب إماراتي

SaifM@uaeu.ac.ae