لا يكفي العرب الرفض الذي أعلنه الأمين العام المساعد لجامعة الدول العربية أحمد بن حلي، للورقة الروسية الأميركية التي قدمت للجامعة العربية، والتي «تربط توقيع إسرائيل على معاهدة منع الانتشار النووي بإحلال السلام في الشرق الأوسط أولاً»، وتربط تجريد العرب من كل الأسلحة الكيماوية والبيولوجية، وتلزمهم بعدم إجراء أية تجارب نووية، حتى قبل النظر بالسلاح النووي الإسرائيلي!

ويجب ألا يشعر العرب بالارتياح للرفض فقط، فهذه الورقة الروسية الأميركية المشتركة، هي الأولى من نوعها في تاريخ العلاقات الروسية العربية، بل انها تعتبر بمثابة تحول جذري لصالح الأجندة الإسرائيلية الأميركية.

فالعرب يخسرون هنا في صراعهم ضد النووي الإسرائيلي، ليس فقط التأييد الروسي الذي كان مضموناً في مراحل سابقة، بل يخسرون أهم الحلفاء على المستوى الدولي، بل إن الورقة تذهب في استخفافها واحتقارها وإذلالها للعرب على نحو سافر لم نعهده بهذه الفجاجة من قبل.

وهذا ليس بسبب روسيا أو أميركا، وإنما بسبب العرب الذين يجنون على أنفسهم وعلى شعوبهم وأوطانهم! فلو لم يهن العرب على أنفسهم لما سهل الهوان عليهم من غيرهم..

فهم عملياً بلا حضور ولا فعل ولا وزن ولا تأثير، أو حتى صوت على مستوى المنابر الأممية، أو على مستوى العلاقات الثنائية، سواء مع الاتحاد الأوروبي، أو مع روسيا، أو مع الاتحاد الإفريقي، أو مع النمور الآسيوية... الخ.

وكل المؤتمرات والقرارات والبيانات هي كلام عربي بلا رصيد. والكلام العربي، لكثرته، لم يعد يصرف، كما جاء في تحليل إخباري لردود الفعل العربية على قرار الطرد الإسرائيلي الأخير لنحو سبعين ألف عربي من الضفة والقدس.

ربما يجمع عدد كبير من المفكرين والمحللين وكبار الكتاب، على أن حالة الأمة العربية الراهنة هي الأسوأ.. فيقول البعض إن الأمة في عطلة قومية، ويقول آخرون إنها في طريقها إلى الاختفاء لقرون من الزمن.. بينما يقول البعض الثالث إن الأمة فوتت التاريخ، أي انها أصبحت خارج الزمن والتاريخ!

المفكر العربي المعروف برهان غليون، كتب على «الجزيرة نت» يقول: «مكانة العرب في الكثير من التقارير المتعلقة بالتنمية الاقتصادية أو البحث العلمي، متدنية إلى أقصى حد»، مضيفاً: «بل أعتقد أن وضع العالم العربي أسوأ مما تقوله التقارير، لأن الكثير من التقارير التي تهتم كثيراً بالأرقام الإحصائية، تبقى على السطح ولا تستطيع أن تنفذ إلى الديناميكيات العميقة التي تعمل داخل المجتمعات» (4/1/2010).

وكذلك المفكر والأديب العربي رشاد أبو شاور، يكتب في «القدس العربي» تحت عنوان «تعالوا نُعلن الحداد» مخاطباً الرأي العام: «تمّ إقفال باب الحروب مع الكيان الصهيوني، ليفتح باب الحروب العربيّة ـ العربيّة، وهي تدور بشراسة، وعنجهيّة، وتعال، وغريزيّة، وعصبيّة تستعيد ما قبل التاريخ، لتوظيفه في عنعنات تنغرس في نفوس وعقول دهماء هي أضحية الإهمال والحرمان من التعليم والمواطنة والعمل وبناء الحياة...».

لينضم إليهما الكاتب والأديب خيري منصور، فيكتب عن «عرب الساعة الخامسة والعشرين» قائلاً: «العربي كما وصفه شاعر رحل عن عالمنا وعيناه مليئتان بالدموع، يعيش في اليوم الثامن من الأسبوع وفي الشهر الثالث عشر من السنة وفي اليوم الثلاثين من شهر فبراير، والمقصود بهذه المرثية الرمزية أن العربي يعيش خارج الزمن.

فهو يضع قدماً في القرن السابع عشر وقدماً في القرن الحادي والعشرين، إنه ليس هنا وليس هناك، وما هذا التيه الذي يعصف بنا من الماء إلى الماء، سوى أحد تجليات الضياع والخروج من التاريخ» (09/12/2009).

بل ربما يكون رأي العدو فينا هو الإنذار، فها هو البروفيسور الصهيوني العنصري «دان شيفتن»، يقول لطلابه في مساق عن مفهوم الأمن الإسرائيلي، في برنامج الدبلوماسية والأمن لكبار المديرين في جامعة تل أبيب: «عندما تطلق إسرائيل قمراً صناعياً متطوراً إلى الفضاء، يخرج العرب بنوع جديد من الحمص» (معاريف ـ 20091022).

ويضيف: «العرب هم الفشل الأكبر في تاريخ الجنس البشري، لا يوجد شيء مختل تحت الشمس أكثر من العرب... في كل العالم العربي يطلقون النار في الأعراس كي يثبتوا أن لديهم على الأقل شيئاً واحداً صلباً فاعلاً قادراً على الإطلاق».

أما الكاتب الكبير «هيكل» فقد عبر عن عمق وكارثية التردي العربي، في لقاء له مع أعضاء مجلس إدارة نادي قضاة مصر وعدد كبير من رجال القضاء والصحافة والإعلام ومجلس الشعب، حيث حذر من خطورة المرحلة التي نمر بها في الصراع العربي ـ الإسرائيلي.

واصفاً إياها بالمرحلة بالغة الخطورة في المنطقة، مؤكداً أن «الأجندة الوحيدة المطروحة على الساحة هي الأجندة الإسرائيلية، وأن إسرائيل تمضي في طريقها ومخططها نحو دول المنطقة، وليس هناك ما يعوقها، بل على العكس فهي نجحت في أن تجذب العالم العربي للدخول في حروب فرعية بعيدة عن صراعها الحقيقي، بالرغم من وضوح العدو الرئيس أمامها».

إذاً، نحن أمام مشهد عربي مثخن بكل عوامل التفكك والضعف والمهانة.. والمشهد العربي اليوم لا يسر سوى العدو المتربص، إذ يعاني العرب من التفكك والاستلاب المطلق عن كل ما هو قومي عروبي..!

وحينما يصل المشهد العربي إلى أسوأ حالاته، فإنه من الطبيعي أن يتمخض عن الضعف والهوان، وأن توجه للعرب أوراق كهذه الورقة الروسية الأميركية، المتخمة بالمضامين والدلالات والمصالح الإسرائيلية.

تتطلع الشعوب العربية إلى مشهد عربي آخر مختلف، سوي قوي فاعل رادع.. ما يحتاج إلى أن يقرر العرب، أمة ودولاً وشعوباً، ان يغيروا ما بأنفسهم، وان تكون لهم أنياب على المستوى الدولي، فعرب بلا أنياب حقيقية لا يخيفون أحداً، ولا يردعون عدواناً أو ظلماً.. أو وثيقة كهذه الوثيقة... هكذا هي المعادلات الدولية.

كاتب فلسطيني

nawafzaru@yahoo.com