بين الحديث عن عقوبات مستهدفة بشكل أفضل، أو عقوبات «ذكية» من طرف الولايات المتحدة والدول الغربية الكبرى، وتسريع المفاوضات مع الصين بشكل خاص، وروسيا لبلورة سياسة عقوبات ذات فعالية ضد إيران من جهة.

والتصريحات الإيرانية التي تتراوح بين التهديد وطرح مبادرة للتسوية تقوم على التبادل المتزامن لليورانيوم الإيراني ضعيف التخصيب مع يورانيوم مخصب بنسبة 20؟، على أن يجري التبادل على الأراضي الإيرانية، والمناورات العسكرية البحرية في الخليج من جهة أخرى.. يبدو التصعيد الدبلوماسي والسخونة التي ترافقه، سمة الوضع في العلاقات الغربية الإيرانية حالياً.

ومن نافل القول إن الملف النووي الإيراني يختصر، على الأقل كما يحدد الغربيون الموضوع الأساسي، الصدام الغربي الإيراني في الشرق الأوسط، ويشكل القضية الاستراتيجية ذات الثقل الأكبر من حيث التأثير في الأجندة الشرق أوسطية. ويبدو المأزق الغربي الإسرائيلي واضحاً في هذا الخصوص، ويزداد وضوحاً كل يوم.

فلا الحرب التي تهدد بها إسرائيل يمكن أن تأتي بالنتائج التي تتوخاها، وهي منع إيران من التحول إلى قوة نووية، ولا العقوبات المستهدفة و«الذكية» كفيلة، كما يعترف الرئيس الأميركي، بأن تؤدي إلى وقف تحول إيران إلى قوة نووية.

فالحرب التي تهدد بها إسرائيل وتعارضها واشنطن، تستطيع وفق أفضل السيناريوهات الإسرائيلية المتفائلة، أن تؤخر لسنوات قليلة تحول إيران إلى قوة نووية، ولكن مقابل انفجار الوضع كلياً في الشرق الأوسط، وتحوله إلى كتلة من الحروب المختلفة والمتشابكة بين مياه الخليج ومياه المتوسط.

ويبدو أن واشنطن، دون الاعتراف بذلك، بدأت تقتنع بأن العقوبات في أفضل حالة لن تدفع إيران لإعادة النظر في سياستها النووية، وهي سياسة تحظى بإجماع وطني واسع، ولا تتأثر بموقف البعض في الداخل الإيراني من نظام الحكم أياً كانت التحولات التي خضع أو يخضع إليها هذا الأخير.

لذلك تبقى العقوبات في حقيقة الأمر من المنظور الأميركي، وسيلة استباقية تجاه أي سيناريو قد يحصل مع إيران النووية. ويمكن الحديث عن سيناريوهات خمسة ممكنة أو محتملة في تطور الصراع الغربي الإيراني..

أولاً: سيناريو النموذج الياباني، الذي يعني عملياً تملك إيران للقدرة النووية العسكرية، دون الانتقال إلى مرحلة إنتاج أسلحة نووية، مع وجود تطمينات تعطيها طهران عبر وكالة الطاقة الذرية. لكن التطمينات، كما هو معروف في السياسة الدولية، مرتبط بقاؤها بالأوضاع التي جعلتها ممكنة، فإذا ما تغيرت هذه الأوضاع سقطت التطمينات.

ثانياً: سيناريو النموذج الليبي، الذي حصل عند تحول العلاقات الغربية، وتحديداً الأميركية مع ليبيا، من الصدام والقطيعة إلى التطبيع الدبلوماسي الكامل، مقابل إسقاط البرنامج النووي من طرف ليبيا؛ سيناريو يمكن إيجازه بأن التهديد بالذهاب في الخيار النووي، هو وسيلة أساسية لتوفير الضمانة بعدم إسقاط النظام القائم وتطبيع العلاقات معه، فمتى تم ذلك لا يعود من داعٍ لتملك الورقة النووية.

ثالثاً: سيناريو النموذج الكوري الشمالي، الذي يقوم على الحصول على قدرة نووية ولو صغيرة، وبالتالي يبقى الحصار ودبلوماسية الاحتواء الناشطة وسياسة التلويح بالعصا والجزرة، حاكماً لهذا الموقف. مع التذكير بالفارق الشاسع بين كوريا الشمالية المنعزلة في محيطها الاستراتيجي، والمرتبطة والمعتمدة بشكل شبه كلي على الصين الشعبية، مقابل إيران التي تملك الكثير من الأوراق في محيطها الإقليمي المباشر الممتد من أفغانستان إلى لبنان.

رابعاً: سيناريو النموذج الصيني، وهو النموذج الذي يقوم على ما حصل في منتصف الستينات في خضم الحرب الباردة، عندما فكرت إدارة الرئيس ليندون جونسون بسرية كبرى، في سيناريو يقوم على ضرب المنشآت النووية الصينية ومحاولة تحييد الاتحاد السوفييتي ذي العلاقات المتوترة مع الصين حينذاك، لمنع هذه الأخيرة من امتلاك النووي العسكري.

ولكن حسابات الخسائر الكبيرة التي ستنتج عن عملية من هذا النوع، مقابل إشارات صينية حول استعدادها للتصرف ضمن حدود معينة، من حيث بناء النفوذ في آسيا ومن حيث الدور الدولي، دفع واشنطن إلى اعتماد سياسة الاحتواء والقبول بالتعايش، إلى أن حان بعدها الانفتاح والتعامل مع نظام معاد، بحيث حكمت الواقعية الشديدة العلاقات بين واشنطن وبكين.

خامساً: سيناريو نموذج الحرب الباردة، أو استمرار السياق الحالي من القطيعة والصدام والمشاحنة السياسية والحرب العقائدية، في ظل وجود مستوى مرتفع من التوتر الممسوك والمقيد.

إن أياً من هذه السيناريوهات قد يكون ممكناً، كما أن من الممكن التحول من سيناريو إلى آخر.

لكن الخطورة أن البيئة الشرق أوسطية التي شهدت تعاوناً واضحاً أميركيا إيرانياً في أفغانستان، وتفاهماً صامتاً تحول إلى صدام في الحالة العراقية، تشهد الصراع والتوتر في الملعب العربي بشكل أساسي، فيما العرب، وهم مادة هذا الصراع وأرضه، منقسمون بدرجات مختلفة بين الطرفين، متخوفون من الحرب كما هم متخوفون من «الصفقة الكبرى»، غير قادرين على القيام بدور لاحتواء هذا الصراع الاستراتيجي الذي يحكم أجندة المنطقة.

فالموضوع النووي في هذه المواجهة الغربية الإيرانية، هو جزء من موضوع أشمل، وهو المواجهة بين استراتيجيات كبرى وأدوار كبرى، ومواجهة حول مكانة هذا الطرف أو ذاك في الملفات الإقليمية.

كاتب لبناني

hitti@wanadoo.fr