قبل سنوات، وعندما تحول سلم نقابة الصحافيين المصريين إلى عنوان للحراك السياسي والاجتماعي المتصاعد، تعرضت النقابة لأقسى حملات الهجوم من فريق يملك النفوذ المالي والسياسي الرسمي، ويرى في أي تحرك نحو الإصلاح الحقيقي خطراً يهدد مصالحه..

الآن يتحول رصيف البرلمان المصري إلى مقر دائم لجماعات المحتجين من مختلف القطاعات وحول العديد من القضايا؛ موظفون في الحكومة يعملون بصورة مؤقتة وأجور متدنية ويريدون تأمين أوضاعهم، عاملون بشركات تم بيعها لمستثمرين مصريين أو أجانب في صفقات مشبوهة ويواجهون خطر البطالة، عاملون بشركات أخرى يخشون على مصيرهم في ظل الفساد الذي تمارسه الإدارة.

فئات مختلفة تطالب بحقوق تتصل بأحوالها المعيشية وبظروف العمل، اتخذت من رصيف البرلمان مقراً لها، تحاول إسماع صوتها وتتولى قوات الأمن حراستها، ويمدهم مواطنون لا يعرفونهم بما يستطيعون من مساعدات، ويمر بهم نواب الشعب في طريقهم للبرلمان ومنه.

يتوقف البعض ليسمع شكاواهم، ويتهرب البعض الآخر. ولكن الأصوات تصل، ورئيس المجلس نفسه الدكتور سرور أشار باستنكار إلى ما يتقاضاه شباب جامعيون من مكافآت متدنية من جهات حكومية انتظاراً للتعيين، ورئيس ديوان رئاسة الجمهورية الدكتور زكريا عزمي وقف يستنكر ما فعله المستثمرون الذين استولوا على بعض الشركات العامة ضمن برنامج الخصخصة، وبتسهيلات كبيرة مقابل تطوير هذه الشركات والاحتفاظ بالعاملين فيها.

فإذا بهم يحولون هذه الشركات إلى «خرابات»، بهدف تصفيتها وتحقيق ثروات طائلة من ثمن الأراضي المقامة عليها، ولم يتردد الدكتور عزمي في وصف هؤلاء ب«حرامية الخصخصة»، مطالباً الحكومة بالتحرك لمواجهة عمليات التخريب التي يقومون بها.

هذا الأسلوب الذي تم التعامل به مع المعتصمين على رصيف البرلمان، كان يتناقض مع الأسلوب الذي تم التعامل به مع التظاهرة التي حاولت القيام بها جماعة من الشباب، لإحياء ذكرى أحداث 6 أبريل قبل عامين. هنا تم التصدي للتظاهرة بحسم وعنف، واعتقل بضع عشرات منهم قبل أن يتم الإفراج عنهم في اليوم التالي.

وكانت الرسالة واضحة: الاحتجاجات والاعتصامات الفئوية يمكن السماح بها، أما التظاهرات السياسية فلها حسابات أخرى، خاصة ونحن أمام موسم انتخابي ممتد وساخن، يبدأ بانتخابات الشورى الشهر القادم، ثم انتخابات مجلس الشعب في نهاية العام، ثم انتخابات الرئاسة في العام المقبل.

وبسبب قرب الانتخابات وأملاً في كسب ود أجهزة الأمن صاحبة الدور القوي فيها، شهد مجلس الشعب فضيحة «نواب الرصاص»، حيث كانت إحدى لجان المجلس تبحث أحداث 6 ابريل، فإذا ببعض النواب يتقدمهم النائب عن شمال سيناء نشأت القصاص يأخذهم الحماس الكاذب، فيتهمون أجهزة الأمن بالتراخي أو «الحنان» في التعامل مع المتظاهرين الذين لا يستحقون إلا الضرب بالرصاص!!

وخرج نواب الرصاص وهم ينتظرون حفلات التكريم، فإذا بهم في قفص الاتهام، وإذا بالحكومة والحزب الحاكم يسابقان المعارضين في إدانة ما فعلوه داخل البرلمان. وإذا بهم يكتشفون أنهم قد حسبوها خطأ، فمن ناحية كان ما حدث في 6 ابريل هذا العام مثار استنكار في الداخل والخارج، خاصة بعد أن أفرجت النيابة عن الشبان الذين قبض عليهم في الأحداث، بعد ساعات ودون توجيه أي اتهام لهم.

ومن ناحية ثانية لم يكن ممكناً أن تتحمل السلطة وزر الدعوة لاستخدام العنف، ولحد إطلاق الرصاص على المتظاهرين، وهي سياسة ارتبطت بالاحتلال البريطاني وبالحكومات العميلة له قبل ثورة يوليو. وهي دعوة لو مرت دون حساب، لفتحت أبواب جهنم على الجميع.

وبدلاً من التكريم بدأت المحاسبة، وأعلن الحزب الوطني الحاكم انه ينتظر نتائج التحقيقات داخل البرلمان لكي يحاسب بصرامة من تثبت إدانته. ومع ذلك يبقى التساؤل عن طبيعة العقاب الذي سيوقعه البرلمان، وهل يصطدم ذلك بالحصانة البرلمانية التي ينبغي أن تتوفر للنائب؟

وهل الأوفق عقابه برلمانيا، أم محاسبته سياسيا من الحزب، ثم محاسبته جنائيا لأن نواب الرصاص كرروا ما قالوه داخل البرلمان على شاشات التلفزيون بعد ذلك، حيث لا مكان للحصانة البرلمانية التي ينبغي أن يرفعها البرلمان عنهم ليحاسبوا أمام القضاء بتهم عديدة تبدأ بالتحريض على القتل، ولا تنتهي بإهانة مجلس الشعب وتقديم صورة بشعة لأعضائه أمام الرأي العام؟

ويبقى الأهم في واقعة «نواب الرصاص»، بعيداً عن أشخاص من ارتكبوها وما سينتهي إليه أمرهم. وهو أن يكون ما حدث بداية لنظرة جديدة تعيد الاعتبار للعمل السياسي، ولا تترك مسؤولية التعامل مع كل القضايا الداخلية على كاهل أجهزة الأمن، بداية من الأحداث الطائفية وحتى إدارة الانتخابات.

إن غياب السياسة والضعف المميت للأحزاب، يزيد الأوضاع صعوبة ولا يسهل الأمور أمام الحكم كما يعتقد البعض. وفي ظل هذه الظروف يذهب الأقباط بمشاكلهم إلى الكنيسة، ويذهب المسلمون بقضاياهم إلى الجامع، والنتيجة مزيد من الاستقطاب والأجواء الطائفية التي لا تجد إلا الحلول الأمنية. وفي ظل هذه الظروف تبحث كل فئة عن حلول لمشاكلها، ولو على رصيف البرلمان.

وبدلاً من الحوار السياسي حول الحلول الشاملة، يتصور البعض أن التعامل مع المطالب الفووية أسهل، ولا يدرك أنه مع ازدياد المصاعب الاقتصادية أمام الغالبية العظمى من المواطنين، ومع استمرار التوزيع السيئ وغير العادل للدخل القومي، فإن الخطر سيكون حقيقياً إذا لم نطلق الرصاص على السياسات التي خلقت هذه الأوضاع، وإذا لم ندرك أن إرساء قواعد الإصلاح المطلوب سياسياً واقتصادياً واجتماعياً، هو الطريق الذي لا بد منه والذي تأخرنا عنه كثيراً!!

كاتب صحافي مصري

galal.aref@hotmail.com