هل يوجد تعارض بين دعوتنا للحفاظ على الهوية الوطنية، وفكرتنا في بناء دولة قومية تضم كل أطياف مجتمعنا بكافة خلفياته وطبقاته، دولة تحتضن الجميع وتحقق لهم العدل والمساواة وتوفر لهم الإحساس بالفخر والاعتزاز وتجعلهم مواطنين منتمين؟
هل هناك أي تعارض بين ما ندعو إليه من الحفاظ على الهوية وترسيخها وتثبيتها في نفوس الجميع، وبين بناء دولة قومية حديثة تعتمد إذابة جميع الهويات والفروقات الاجتماعية والإثنية في الإطار العام لتلك الدولة؟
هل هناك تناقض بين ما نأمله لدولتنا من مكانة دولية لائقة منفتحة على جميع الثقافات والأعراق، وبين ما نأمله لمجتمعنا من ترسيخ لثوابت وطنية معينة، مستمدة من القيم والعادات والتقاليد الأصيلة ومن قيم دينية وغيرها من مفردات الهوية الوطنية؟ وأخيرا، هل يكون سعينا للوصول إلى مكانة عالمية مرموقة ومجتمع عصري منفتح على حساب قيم مجتمعية محلية؟
قبل حوالي عقد من الزمان، نجحت أوروبا في تذليل الكثير من مشاكلها السياسية والاقتصادية والأيديولوجية العالقة والمضي قدما في تأسيس الاتحاد الأوروبي، هذا الاتحاد الذي طالما كان فكرة راودت مثقفي أوروبا وشعوبها قبل ساستها.
وعلى الرغم من كل الصعوبات التي وقفت في طريق إنشاء الاتحاد الأوروبي، إلا أن التصميم الأوروبي الشعبي والرسمي سرعان ما حول الفكرة إلى واقع طال حياة كل أوروبي، وجعل من ذلك الاتحاد اليوم أحد أهم وأبرز القوى المؤثرة في العالم.
وربما لا يكترث الكثير من الأوروبيين اليوم لقضية أن يكون اتحادهم قوة عظمى، بقدر ما ينظرون إلى تأثير هذا الاتحاد على حياتهم اليومية وعلى تحسين فرصهم الاقتصادية وأوضاعهم المعيشية، وعلى الفرص الاقتصادية الكبرى التي سوف تجنيها أوروبا الموحدة من ذلك الاتحاد.
ولذا لو خيروا اليوم بين الوقوف متحدين أو فرادى، لما اختاروا غير الوحدة الكبرى. لقد مر الاتحاد الأوروبي قبل استكماله بمراحل عديدة، منذ أن كان فكرة إلى أن أصبح اليوم واقعا.
وبالتأكيد فإن بلدان أوروبا قد ضحت بالكثير من المصالح الفردية والأفكار الاجتماعية الضيقة، من أجل الهدف الأكبر. ومن المؤكد أن أوروبا لم تصل إلى ما وصلت إليه، إلا بالعمل الدؤوب والمثابرة من أجل وحدة هدفها الأكبر، وهو رفاهية الإنسان الأوروبي مهما كانت خلفيته الاجتماعية وانتماؤه العرقي أو اختلافه الفكري والأيديولوجي.
وهكذا أصبحت أوروبا التي طالما فرقتها الحروب واختلاف الأعراق والمصالح القومية، مثالا يحتذى به للوحدة الناجحة وتكتلات العصر، ومثالا على الاتجاهات الدولية المعاصرة في الفكر السياسي والاقتصادي.
سلط نجاح الاتحاد الأوروبي الضوء على هذا النموذج من التكتلات الإقليمية والدولية، حيث رأى فيه البعض الأنموذج الوحيد للنجاح في عالم اليوم.
فبدون تلك التكتلات التي تذيب الهويات والفروقات الإثنية والاختلافات الأيديولوجية والعرقية، وتعمل على تذليل كافة العقبات والصعاب التاريخية وعلى إسكات كل النداءات القومية الفردية، لم يكن أشهر اتحاد في تاريخنا المعاصر لينجح. ولذا تقف تجربة الاتحاد الأوروبي كشاهد على نجاح الأفكار السياسية والاقتصادية، وبالتحديد فكر التكتلات.
تجربة الاتحاد الأوروبي إذاً، نجحت لأنها اعتمدت إذابة الفوارق القومية وكافة الهويات الوطنية، لتظهر عوضا عنها هوية أوروبية موحدة، تتضاءل أمامها كافة الهويات الأوروبية، ولتذيب الكثير من الفوارق الإثنية والأيديولوجية.
وبينما ترى أوروبا أن ثبات اتحادها، يكمن في نجاحها في التصدي لكافة الآراء الداعية إلى تأجيج الهويات الوطنية والقومية وترجيحها على حساب هوية أوروبا الجديدة، نرى نحن أن الحفاظ على دولتنا وإنجازاتها الحضارية يكمن في إبراز هويتها الوطنية التقليدية، وبالتالي ندعو إلى الحفاظ على تلك الهوية متأججة وحية.
فما هو الفرق إذاً بيننا وبين أوروبا؟ وهل يتعارض هذا المسلك مع رغبتنا في بناء دولة قومية تضمنا جميعا دون فوارق إثنية وأيديولوجية تذكر؟
على الرغم من إعجابنا بالأنموذج الأوروبي وقدرة ذلك الأنموذج على التصدي لكافة المعوقات، ليبدو كرمز لإرادة التغيير والتفوق الاقتصادي، إلا أن ذلك الأنموذج قد لا يناسبنا اجتماعيا وفكريا وعقائديا.
فهناك قيم مجتمعية نعدها نحن مهمة بينما لا تراها أوروبا كذلك، كما أن الدين لا يلعب دورا أساسيا في مجتمعات أوروبا وأنظمتها السياسية العلمانية، فأوروبا مختلفة فكريا وعقائديا حول قضية إقحام الدين في الحياة العامة للناس، وبالتالي فالدين هو عنصر فرقة لا اتحاد.
من ناحية أخرى، لا تلعب الأواصر الاجتماعية دورا مهما في مجتمعات أوروبا، ولا ترى في اللغات المتعددة والألسن المختلفة عائقا يقف أمام الوحدة، كما أنها لا ترى في عدم التجانس الاجتماعي عقبة تقف في طريق وحدتها، بل على العكس ترى فيه ثراء ثقافيا واجتماعيا وديمغرافيا، يضيف إلى أوروبا جانبا إنسانيا مهما.
ولذا فإن فكرة هوية أوروبا قائمة في الأصل على أسس مختلفة تماما عنا، ولذا تحرص أوروبا على إذابة كافة الهويات الوطنية والقومية، خاصة إذا ما عرفنا أن تلك الهويات كانت السبب المباشر في الكثير من الحروب التي خاضتها أوروبا في ما بينها. فلا غرو أن تعمد أوروبا إلى إبراز هوية أوروبية جديدة، على حساب كافة الهويات المحلية والقومية القديمة.
وعلى النقيض من أوروبا، فمجتمعنا يرى في الهوية بكافة مفرداتها، طوق نجاة من الانجراف في تيار العالمية القوي.
فالهوية هي اللسان المشترك الذي يذيب كافة الفوارق الأخرى، وهي الدين الذي يستمد منه المجتمع الكثير من القيم المجتمعية، وهي التجانس الاجتماعي الذي يحمي الثقافة المشتركة، وهي الضمان لحماية الأقلية من طغيان المد الثقافي الوافد.
إذاً، فتفسير مجتمعنا للهوية مغاير لتفسير أوروبا لها، ولذا فإن اختلاف الأهداف لا بد أن يترتب عليه اختلاف النتائج المتوقعة.
إن مجتمعنا على عكس مجتمعات أوروبا، يجب أن يحرص على إبراز هويته لأنها عامل مهم في تأسيس الدولة القومية. فاللغة والأواصر الاجتماعية القوية والدين وغيرها من مفردات الهوية، هي السبيل الوحيد نحو تأجيج روح الوحدة، لأنها مقومات مشتركة تجمعنا ولا تفرقنا، وهي بالتالي طريقنا الوحيد لبناء دولة قومية.
جامعة الإمارات
fatimaalsaayegh@hotmail.com