مرت خمسة عشر شهرا منذ مشهد المصالحة العربية الشخصية في قمة الكويت بين المتخاصمين العرب استجابة لمبادرة العاهل السعودي الداعية لضرورة طي صفحة الانقسامات العربية وصولا إلى حالة التضامن العربي اللازم لمواجهة التحديات الصهيونية التي تواجه الأمة العربية، خاصة أن مبادرة المصالحة جاءت بعد ذروة الانقسام العربي بعد العدوان الصهيوني على لبنان عام 2006.

.. وشكل ذلك المشهد الرمزي بارقة أمل للشعب العربي، وتطلع الجميع إلى أن تكون تلك المبادرة وذلك اللقاء بداية التحرك المخلص والسريع لمواصلة مسيرة المصالحات ولكن على أسس موضوعية وعلى قواعد ثابتة وفق رؤية استراتيجية عربية موحدة تثبت الثوابت، وتواجه المتغيرات. لتجاوز حالة الاختلاف المرفوضة وصولا إلى حالة الائتلاف المفروضة وعودة المياه إلى مجاريها بين كل العرب.

وعلى مدى العام وربع الماضي تدفقت مياه كثيرة في قنوات الاتصال بعد مرحلة انسداد القنوات، وجرت تحركات كثيرة على جسور التواصل بعد ترميم الجسور بين عدد من العواصم العربية أبرزها الرياض ودمشق، والرياض والدوحة، وكان من آثار ذلك الإيجابية حل الأزمة اللبنانية وفتح الجسور المغلقة بين دمشق وبيروت، فيما بقيت الجسور المقطوعة بين القاهرة ودمشق، وبين القاهرة والجزائر، وبين الرياض وطرابلس إلى اليوم بحاجة إلى ترميم حتى يمكن إعادة حركة المرور.

وهكذا بقيت حالة العلاقات العربية في هذه المرحلة في جزء منها مريضة وضعيفة في مواجهة أعدائها، وعنيفة ومستأسدة في مواجهة أشقائها، بما لا تضر عدو ولاتسر حبيب، ومع كل ذلك فإن حالة العلاقات العربية بغير شك بعد قمة الكويت أفضل منها قبل قمة الكويت بعدما انتقلت الحالة العربية من حالة الانقسام والمهاترات الإعلامية إلى حالة الخلافات السياسية ثم انتقلت أخيرا إلى حالة الاختلافات وإدارة الخلافات، وخلال هذه المرحلة بذلت جهود عربية كثيرة لإعادة العلاقات إلى سابق عهدها.

في شهر مارس الماضي كان هناك مشهدان، الأهم في «سرت»، والثاني في «دمشق»، الأول سياسي والثاني اقتصادي، وكلاهما مشهدان يشيران بوضوح إلى بداية تحول إيجابي نسبي في العلاقات المصرية السورية والانتقال بها من حالة القطيعة إلى حالة الاتصال، ومن حالة التباعد إلى حالة التقارب التدريجي في المشهد السياسي الأهم، بدت بوادر الانفراج ممكنة عندما عبر الرئيس السوري بشار الأسد عن رغبته في زيارة مصر للاطمئنان على صحة الرئيس المصري حسني مبارك، وعبر له رئيس الوزراء المصري أحمد نظيف عن ترحيب مصر بزيارة الرئيس الأسد بعد تمام تعافي الرئيس مبارك.

وسبق ذ لك، المشهد الاقتصادي في دمشق لزيارة نائب رئيس الوزراء المصري رشيد محمد رشيد إلى سوريا واستقباله بحرارة عاكسة لحرص سوري مماثل في تحرك لافت لكسر حالة الجليد السياسي والاقتصادي على الجسر الواصل بين العاصمتين العربيتين القاهرة ودمشق اللتين تشكلان مع الرياض في الوضع الاستراتيجي الطبيعي قاعدة الهرم للعمل العربي المشترك.

بينما تشرذم العمل العربي مع تبعثر أضلاع هذا المثلث العربي، وانعكس هذا التبعثر على تفاقم الأزمة اللبنانية، وبروز حالة الانقسام الفلسطيني، وإذ أمكن حل أزمة الانقسام اللبناني بوساطة قطرية بعودة الحرارة وإذابة الجليد بين دمشق والرياض وبين الرياض والدوحة، فإن عودة الحرارة وإذابة الجليد بين القاهرة ودمشق من شأنها فتح الطريق لإنهاء أزمة الانقسام الفلسطيني.

كما شهد شهر إبريل الحالي مناسبتين، الأولى في السابع عشر من إبريل ذكري عيد الجلاء السوري،والثانية كانت في الخامس والعشرين من إبريل ذكري عيد تحرير سيناء، وكلا المناسبتين ذكرتنا من جديد بتاريخ الكفاح السوري المصري المشترك ضد المستعمرين.

وفي الأولى شاركت شخصيات رسمية وشعبية مصرية كبيرة في حفل السفارة السورية بالقاهرة بهذه المناسبة، وفيها عبر الوزير المصري مفيد شهاب عن حالة الحرارة السياسية التي بدأت على ما يبدو في إذابة الجليد قائلا «إن ما بين القاهرة ودمشق كبير وعميق وتاريخ من الكفاح المشترك، وكلما كانت علاقات سوريا ومصر قوية كلما كانت الأمة العربية بخير والعكس صحيح، واصفا ما كان بين مصر وسوريا من خلاف بـ «سحابة صيف» لابد أن تزول لأنه ضد التاريخ».

فمتى يتم لقاء الرئيسين حتى تزول سحابة الصيف ويذوب الجليد؟

كاتب مصري

mamdoh77t@hotmail.com