لا تشكل المنطقة العربية إقليما ذا نهوض سياسي أو اقتصادي وهو الإقليم الوحيد في العالم الذي تقع جل دوله في تقارير الحريات السياسية ضمن الدول ذات الحريات المدنية والسياسية المعدومة.
بل إن جل الدول العربية يقع في النصف الثاني من القائمة التي ترتفع درجاتها عن الست درجات على مقياس الحريات. ويتساوى بعض الدول العربية مع دول مثل بورما وكوريا الشمالية وزمبابوي، أي إن بعضا من المواقع في المنطقة العربية يقع في ذات الخانة التي تقع فيها أنظمة توصف في العادة بأنها أنظمة اوتوقراطية وتختفي فيها كل أو جل الحريات السياسية والمدنية.
ولا تشذ عن القاعدة إلا ست من الدول العربية وهي دول في هذا تقع في خانة الدول التي تتمتع ببعض من الحريات السياسية والمدنية مع اختلافات فيما بينها من حيث ثقل الدرجة.
ويلاحظ أن دول مثل تركيا وماليزيا يتحسن فيها الوضع السياسي والمدني عن جل الدول العربية، وأن أداءها في ذلك أفضل من كل الدول العربية. وتبقى اندونيسيا الدولة الإسلامية الوحيدة التي دخلت هذا العام، وفق تقارير بيت الحريات، في قائمة الدول ذات الحريات المتكاملة.
ولربما تعكس هذه الصورة الحالة التي تبدو عليها العملية الديمقراطية في البلاد العربية. وهي كعملية سياسية لا تأتي بجديد بقدر ما هي تعيد إنتاج الفعل والممارسة السياسية القائمة.
وهي نتيجة لذلك تفتقر لقدر مهم من الحيوية السياسية، هذه الحيوية التي لا تأتي إلا من خلال قدرة العملية السياسية بالإتيان بقوى سياسية واجتماعية جديدة تضيف جديدا على الرؤى والتوجهات الاقتصادية والسياسية، وتخلق انعطافات مهمة في الحياة السياسية والاقتصادية.
وكما أشرنا فإن جزءا أساسيا من الحيوية السياسية التي توصف بها الحالة الأوربية والأميركية هو ذلك القدر من التغيير الذي يأتي مع نتائج كل اقتراع سياسي. فأن الانتخابات البرلمانية في دول شرقية كثيرة كالهند وسنغافورة واندونيسيا وماليزيا وتركيا قد بات هي الآخر تحدث تغيرا سياسيا مهما في هذه الدول.
فنحن لا نستطيع مثلا إلا أن نقول إن تغيرا مهما قد حدث في الهند خلال السنوات العشرين الأخيرة بفعل هذا التناوب في السلطة بين ما قد يسمى باليمين واليسار في الهند وهو الأمر الذي قاد إلى احد أهم التغيرات الاقتصادية التي باتت تتمتع بها الهند خلال العقد السابق، كما قاد لتغير مهم في الكثير مما قد يسمى بثوابت السياسة الهندية تجاه العديد من القضايا الإقليمية والدولية بما فيها الموقف من القضايا العربية.
أما الحديث عن تركيا فيطول، إذ استطاعت هذه الدولة وبفعل التغير السياسي الذي جاء بأحد النماذج المتقدمة من الإسلام السياسي للسلطة في العالم الإسلامي قد أحدث تحولات اقتصادية مهمة فيها كما هو قد غير من الثقل السياسي لتركيا في إطارها الإقليمي والعالمي، وهي تغيرات لم تستطع الحكومات الليبرالية-العلمانية المتتالية المدعومة من المؤسسة العسكرية أن تحدثها خلال العقود الكثيرة الماضية.
فإسلاميو تركيا قد استطاعوا أن يحققوا قدرا مهما من النهوض الاقتصادي لم تحققه ليس فحسب النخب السياسية السابقة في تركيا فحسب بل أنها حالة لم تدركها بعد كل التنظيمات الإسلاموية العربية، والتي لا تأتي المسالة الاقتصادية إلا في أدنى أجنداتها والتي يختلط فيها وبقوة الدعوي بالسياسي والديني بالإيديولوجي.
بالمقابل فإن الانتخابات في الدول العربية لا تحدث قدرا مهما من التغيير في الحالة السياسية والاقتصادية ولربما الفكرية العربية. وإذا ما استثنينا الحالتين المغربية والكويتية في انتخاباتها الأخيرة فإن جل الحالات العربية الأخرى لا تأتي معها بتغيرات في السلوك والممارسة السياسية والاقتصادية. وهي قد تكون قادرة في أحسن أحوالها على إحداث قدر من التغيير في الأشخاص إلا أنها لا تبدو قادرة على أن تأتي بقوى ورؤى جديدة تقود عملية التغيير في المنطقة العربية.
فأي انتخابات سياسية لا تحدث تغيرا في مواقع القوى في العملية السياسية الداخلة في الفعل السياسي السلمي وهي حالة تعكس في واقعها أمرين رئيسيين: فعدم التغيير قد يعبر أولا:عن خلل ذي علاقة بالعملية الانتخابية ذاتها وضعف أو اختفاء ضمانات الصدق والنزاهة في العملية الانتخابية.
فالأصوات الخارجة من صناديق الاقتراع عند الفرز قد لا تعبر في حسابها عن الثقل الحقيقي للقوى إنما هي تعبر عن قدرة أطراف أو قوى في داخل الدولة على احتكار الفوز لنفسها. وثانيا فإن الأمر يعكس عطبا وخللا ما داخل المجتمع وعدم قدرة أفراده على الخروج من سطوة وتأثير أما المال السياسي أو من سطوة القوى القبلية والمذهبية في احتكار الفوز لنفسها.
فالانتخابات البرلمانية الأخيرة في الكويت مثلا، قد عبرت في بعض من دوائرها، وتحديدا في دوائرها الأولى والثانية وبعض الثالثة، عن قدرة في إحداث التغيير ليس في الأشخاص فحسب وإنما في طبيعة القوى الجديدة التي احتلت بعض مقاعد المجلس. في حين أن دوائرها الرابعة والخامسة رغم التغير في الأشخاص إلا أنها كدوائر استمرت محتكرة من قبل القوى القبلية، وإن حمل بعضها يافطات دينية، وهو الأمر الذي يضفي عليها قدرا من السكونية السياسية مقابل قدر من الحراك في الأولى.
إن جزءا هاما مما قد ينسب لحالة السكونية السياسية التي تميز المنطقة العربية، هو في الحقيقة أن بعضا من هذه الدول إما أن تختفي فيها انتخابات برلمانية أو أن هذه الانتخابات لا تعدو كونها عملية تتحرك في الحدود المحددة لها، وبالتالي فإما أن تعيد إنتاج القوى القائمة والماسكة بالمؤسسة السياسية أو أنها قد تشرك بعضا من قوى محددة اعترف على كونها قوى طيعة مستأنسة.. وهي بفعل حدود مخرجاتها فإنها لا تحدث تغيرا مهما في طبيعة القوى السياسية القائمة. سواء أكان ذلك في أشخاصها أو في الرؤى والتوجهات التي تحملها.
بمعنى آخر فأن جزءا من تلكؤ العملية السياسية في المنطقة العربية، هي أن بعضا من انتخاباتها الرئاسية أو البرلمانية، إما أن تعيد أشخاصا بعينهم أو أنها تعيد إنتاج ذات القوى السياسية القائمة، وإن كانوا في أشخاص مختلفين. فالاختلاف هنا لا يعني تبايناً في الرؤى والتوجهات وإنما لذات المقولات السياسية الرائجة. فهم يأتون من ذات النخب السياسية بل إن بعضهم قد باتوا يتوارثون السياسة في أطرها المؤسساتية والثقافية.
كاتب بحريني