لم تخرج أيّة صحيفة فرنسية في الأيام الأخيرة، ولا يوجد على صدر صفحاتها الأولى ما يشير، وبالخط العريض، إلى قضية القانون الخاص بمنع النقاب في الأماكن العامّة الفرنسية، الذي يُفترض أن يقرّه نواب الأكثرية الحاكمة قبل الصيف، أي ما يعني في الأسابيع القليلة المقبلة. الموضوع ليس جديداً.
لكن النقاشات طفحت وتشعّبت، والأوراق اختلطت واللهجة غدت أكثر حدّة داخل الطبقة السياسية الفرنسية، وأيضاً على صعيد الشارع وفي زوايا المقاهي في الأيام الأخيرة بعد الإعلان عن الرغبة الرسمية بإصدار قانون يمنع النقاب في الأماكن العامّة. وتعاظمت في الوقت نفسه الأصداء وردود الأفعال، الإعلامية على الأقل، في العالم الإسلامي.
وفي مثل هذه الأجواء من المهم محاولة وضع القضية في إطارها الصحيح وفي سياقها وفي حجمها، تجنّباً للغرق في التفاصيل وللجنوح في اتجاه أو آخر. ولعلّ من المفيد والضروري هنا تثبيت الوقائع والمواقف، ومحاولة فهم الرهانات الحقيقية واستقراء بعض النتائج التي قد تترتب على سنّ القانون.
بالتأكيد ليس المجال هنا ل«جرد» الوقائع والمواقف الخاصّة بسنّ أو عدم سنّ، تشريع يمنع النقاب، ولكن قد يمكن تحديد بعض المحطات ـ المنعطفات الرسمية التي عرفتها هذه القضية ومن أهمها:
ـ بتاريخ 20 يونيو 2009 قال الرئيس نيكولا ساركوزي أمام اللقاء البرلماني المشترك للجمعية الوطنية ولمجلس الشيوخ في قصر فرساي، ما مفاده: «إن النقاب لا يلقى الترحيب على أراضي الجمهورية الفرنسية».
ـ في الخريف الماضي وبتوجيهات رئاسية، في منظور تهدئة اللعبة، جرى تشكيل لجنة برلمانية متعددة المشارب للبحث في أولوية سنّ، أو عدم سنّ، قانون بمنع النقاب.
وصلت تلك اللجنة إلى نتيجة مفادها أنه «ليس هناك اتفاق كامل حول تبنّي قانون عام ومطلق». ـ بعد الانتخابات الإقليمية في شهر مارس الماضي، والتي عرف فيها اليمين الحاكم تراجعاً انتخابياً كبيراً تواكب مع العودة القوية لليمين المتطرّف، حثّ الرئيس ساركوزي على ضرورة «سنّ قانون يتماشى مع المبادئ العامّة للدستور الفرنسي بمنع النقاب» بتاريخ 21 أبريل الجاري، أعلنت الحكومة عن إعداد مشروع قانون خاص بمنع النقاب لمناقشته من قبل البرلمانيين قبل الصيف.
ـ قبل أيام قامت شرطة مدينة نانت الفرنسية بفرض غرامة (22 يورو) على سيدة تقود سيارتها وهي منقّبة. ذلك بناء على نص قانوني خاص بإعاقة شروط القيادة السليمة.
وفي اليوم التالي تدخّل وزير الداخلية وطلب من السلطات المعنية نزع الجنسية الفرنسية عن زوج السيدة المعنية، حيث «تكشّف» أنه متعدد الزوجات ـ القانون الفرنسي يمنع ذلك ـ وأنه حصل على مبالغ مالية لا حقّ له بها من صناديق المساعدة الاجتماعية. هذه الحادثة الأخيرة أثارت عاصفة لم تهدأ من النقاشات.
وفي الوقت الذي تعالت فيه أصوات كثيرة من اليمين، تؤكّد أن «قضيّة نانت» تمس مباشرة وفي الصميم القيم الأساسية للجمهورية، وتؤكّد ضرورة نزع الجنسية عمّن لا يحترم واجباتها.
وسادت لدى اليسار لهجة استهجان لتصرّف وزير الداخلية ووصفته ب«الديماغوجي» ووصولاً إلى مطالبة البعض ب«نزع» الصفة الوزارية عنه. بالتأكيد لا يمكن قبول «التحايل» على القانون وسحب أموال طائلة من صناديق المساعدات الاجتماعية، كائناً من يكون الفاعل. الغلط ليس موضوع نقاش ومحاباة.
وليس هناك عاقل يمكنه معارضة مقولة أن هناك قوانين وأنه ينبغي احترامها. لكن هذا شيء وسنّ قانون لمنع النقاب في الأماكن العامّة شيء آخر. هذا القانون له رهاناته العديدة التي يمكن ذكرها باختصار.
وليس أقلّها الرهان الانتخابي القصير الأمد، والبحث عن استمالة أصوات شريحة مهمّة من الناخبين. ورهان ثقافي بمعنى الدلالة على نوع من صدام حضارات غير موجود في الواقع، ولكن يتم تقديمه بهذه الصورة.
ورهان تاريخي قائم على مشاعر الخوف المزمنة والموهومة حيال مصير فرنسا أمام إسلام يتوسّع. ورهان رمزي، إذا صحّ التعبير، عبر القول للمسلمين في فرنسا إنهم «تحت الأنظار». وهناك محاولة إعادة تعريف العلمانية في فرنسا على ضوء الموقف من الإسلام فيها. بالتأكيد يحتاج كل واحد من هذه الرهانات حديثاً طويلاً ومعمّقاً.
المسألة جديّة وأبعد من بضعة مئات من المنقبّات. وهي ليست حرباً دينية بالتأكيد. ما يتفق حوله الجميع هو أن فرنسا اليوم تشهد ظاهرة مزدوجة يتلازم في إطارها الإحساس بالانتماء الطائفي مع انحسار درجة الاندماج الاجتماعي. وهذا يطرح أسئلة جوهرية مطروحة على المجتمع الفرنسي وينبغي مواجهتها بهدوء.
كاتب سوري ـ باريس
mohaklouf@yahoo.fr