الرابع من يناير، سيظل في ذاكرة الإنسان الإماراتي، حيث إنه اليوم الذي دشن فيه افتتاح أعلى برج في العالم، في مدينة دبي، برج يحمل في طياته رمزاً خالداً عندما أطلق عليه اسم خليفة، وخليفة واحد من عناوين العزة والشموخ التي تفخر بها دولة الإمارات، وهو أيضاً اليوم الذي صادف الذكرى الرابعة لتولي صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم مقاليد الحكم في إمارة دبي.

وكذلك تسلمه منصب نائب رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة، ورئيس مجلس الوزراء الاتحادي مع ما لهذا الحدث من دور في تحديث الإدارة في الإمارات وفق معايير عصرية رائدة.

مرت أربع سنوات مليئة بالأحداث، والتطورات على جميع الصعد، سواء المحلية أو العربية أو العالمية، إلا أن الأوضاع المحلية هي التي نريد الكتابة عنها اليوم لأنتقل فيها من عالم اليوم إلى عالم البداية منذ ثلاثين سنة وأكثر.

لعل التجربة الإنسانية في مجال العطاء والإنجاز، تكون ملهماً للإنسان وتشكل له نوعاً من أنواع رضا الذات، وربما الرضا النفسي، حينما يتقدم العمر بالإنسان، في تلك اللحظات يحتاج للعودة إلى سنوات ربما هي بعيدة، إلا أنها لا تزال عالقة في الذاكرة، فهي التي تؤكد إنتاجية الإنسان لخدمة الإنسان والوطن.

حينما عاد الإنسان من الغربة والاغتراب لفترة من الزمن، وأدرك أن حلم حياته في وجود مؤسسة أكاديمية، هي من صنع رجال المستقبل قد أصبحت أمراً واقعاً.

وأنها تعمل الآن من أجل انتشال أبناء الوطن من الاغتراب الذي كان يحمل مشروعاً نهضوياً في حينه، حيث كان الاغتراب جزءاً من الجهد التي تستثمره الدولة في بناء الإنسان، وهل من استثمار أفضل وأكثر تأثيراً من التعليم، كان قرار مؤسس الدولة وباني حضارتها ونهضتها في ذلك الوقت المغفور له الشيخ زايد.

أن ينقل التعليم إلى أرض الوطن من خلال مؤسسة تعليمية رفيعة تملك جميع مقومات المؤسسات العلمية العالمية الرفيعة المستوى، فكانت جامعة الإمارات العربية المتحدة في العين، لقد حقق سموه آنذاك أحلام المرأة في الإمارات بالالتحاق بالتعليم العالي، آخذين بعين الاعتبار أن 90% من الأهالي لم يكن لديهم الاستعداد لإرسال بناتهم إلى الخارج لإكمال التعليم، وهذه الحالة كانت متفاوتة بين مناطق الدولة، وهنا تعود بي الذاكرة إلى الوراء.

حينما كانت أعداد الطالبات في التعليم العالي قليلة، ويعود ذلك إلى ضعف قناعة الأسرة بأهمية التعليم العالي، وخاصة بالنسبة للفتاة، ولعل الكوادر الأولى للتعليم الجامعي في الإمارات تؤكد ذلك، وفي هذا المجال أتذكر جيداً، أن بعض أولياء الأمور كانوا لا يسمحون لبناتهم بالذهاب إلى الجامعة أو الالتحاق بها عندما كانوا يعلمون أن بعض أعضاء هيئة التدريس من المواطنين الذكور!.

كان عددنا قليلاً، ربما كنا سبعة مدرسين فقط من أكثر من مئة وخمسين أستاذاً ومدرساً، وأتذكر جيداً أن بعض الطالبات كن حينما يشاهدن مرتدي الزي الوطني، تضع الغشوة على وجهها، في حين لا تعير اهتماماً لذلك الذي يرتدي الزي الأوروبي، كان حب الوطن ورد الجميل لهذا الوطن الذي ساهم في إكمال التعليم العالي لهذه الكوادر الوطنية في الخارج، سواء في بريطانيا أو فرنسا، أو الولايات المتحدة الأمريكية، حافزاً لأبناء الوطن لبذل كل جهد ممكن في إعطاء كل ما لديهم للطلاب الملتحقين بالجامعة ذكوراً وإناثاً، فلقد كانت نسبة الأمية عالية جداً، حتى إن الخريجين الأوائل فتحت لهم أبواب أعلى المناصب، دون النظر إلى الاعتبارات الأخرى، اللهم سوى الشهادة الجامعية.

ومن المفارقات الجميلة، أنه حينما عاد إلى الوطن أفراد من حملة الدكتوراه في مجالات عديدة اللهم إلا الطب، وبالطبع لا ننسى أن أول طبيب مواطن هو سالم المحمود، والذي تخرج من الاتحاد السوفييتي واضطر للعمل في دولة الكويت، حيث لم يسمح له بالعودة إلى الوطن بقرار من الحكومة البريطانية!!

وقبله منع مؤسس وزارة الخارجية المرحوم سيف غباش من العودة إلى الوطن أيضاً، فلقد كانت بريطانيا تحارب المتعلمين والوطنيين، ولم يكن هنالك حول ولا قوة للوقوف بوجه ذلك الاتجاه الاستعماري، ونتذكر جيداً أن بعض الطلاب والطالبات يشكون أنهم من الرعيل الأول من المواطنين لأنهم تعرضوا لمضايقات بريطانيا وعسفها.

إلا أن ذلك لم يجعل الرعيل الأول يرفع الراية البيضاء، ويستسلم أمام الإنجليز وإرادتهم في تجهيل أبناء الوطن، لأن هناك عداوة مستفحلة بين الاستعمار والتعليم، ووداً كبيراً بين هذا الاستعمار والجهل، وبالعكس رفع هؤلاء راية التحدي والتأكيد على أهمية التحدي، من أجل غد أفضل لهذا الوطن المعطاء.

وكانت المبادرة الأولى من مؤسس الدولة حينما أمر بمقابلة أبنائه من العاملين في جامعة الإمارات، كانت لحظة تاريخية، تأكد لنا فيها أن مؤسس دولتنا بتشريفنا بمقابلته في العين أكد على أنه قد دفن وإلى الأبد الجهل والأمية والتخلف، وفتح الأبواب على مصاريعها لتدخل الشمس، الشمس الساطعة، إنها الشمس نفسها التي خططت وبنت وأنجزت برج خليفة أعلى منارة في العالم، شاهدة على أن روح زايد ما زالت تتجدد في كل يوم، من خلال أبنائه الذين ورثوا روح الإبداع والتطوير، ومن خلال فكر صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم الذي يعلن أن في السباق نحو التميز لا يوجد خط نهاية، ونحن دائماً في سباق نحو التميز.

هذه ذكريات جميلة عن مرحلة امتدت على مدى ثلاثين سنة، أكد فيها إنسان الإمارات في كل المستويات أهمية العلم، ورسخت القيادة ذلك حقيقة قائمة حين دفنت الإمارات الأمية وإلى الأبد.

أستاذ علم الاجتماع السياسي

almutawa_mohammed@hotmail.com