منذ أسبوعين، نشر يهود أميركيون بإيعاز وتشجيع من نتنياهو إعلانين مدفوعي الأجر في كل من «واشنطن بوست» و«وول ستريت جورنال»، ينتقدان موقف إدارة أوباما من إسرائيل، ويدافعان عن موقف حكومة نتنياهو من القدس والمستوطنات. فقد نشر رونالد لودر، رئيس الكونغرس اليهودي الأميركي، إعلاناً في شكل خطاب مفتوح إلى أوباما شكك فيه صراحة في دعم الإدارة لإسرائيل، وأعفى إسرائيل من أية مسؤولية عن وصول محادثات التسوية لطريق مسدود.
وبينما حمل الفلسطينيين المسؤولية عن توقف المحادثات، فإنه حمل إدارة أوباما المسؤولية عن التدهور الحادث في العلاقات بين أميركا وإسرائيل.
أما الإعلان الثاني فقد كان لإيلي ويزل، الروماني الأصل، الذي نجا من المحرقة والحاصل على جائزة نوبل. وقد ركز إعلان ويزل بالأساس على القدس ودافع عن موقف حكومة نتنياهو.
لكن لعل اللافت للانتباه هو حجم المغالطات التي انطوى عليها إعلان صاحب نوبل. فبعد أن اعتبر القدس «فوق السياسة» ووصفها بأنها وردت في الكتاب المقدس أكثر من ستمائة مرة «بينما لم تذكر في القرآن على الإطلاق»، قال إن المسحيين واليهود والمسلمين «بإمكانهم أن يبنوا بيوتاً لهم في القدس» وأن حرية العبادة للجميع لم تكن أبداً مضمونة إلا عندما فرضت إسرائيل سيادتها على المدينة.
غير أن أهم ما في واقعة الإعلانات مدفوعة الأجر هو أن أكثر المتصدين لها انتقاداً لما جاء فيها كانوا إسرائيليين! صحيح أن الكثير من اليهود الأميركيين انتقدوها، إلا أن انتقاد الإسرائيليين كان أكثر تفنيداً لمزاعمها.
فعلى سبيل المثال لا الحصر، نشرت صحيفة «هاآرتس»، حتى كتابة هذه السطور، مقالين لكتاب ينتقدون كلاً من ويزل ولودر بوضوح. فقد قال يوسي ساريد رداً على إيلي ويزل، إنه لا يوجد شيء «فوق السياسة». وبعد أن شرح تفصيلًا ما تفعله إسرائيل في المدينة المقدسة، ووصفه بأنه «تطهير وتهويد بمساعدة أميركيين أغنياء، لابد أنك تعرف الكثيرين منهم»، قال ساريد إن «الكثير من الفلسطينيين يتم طردهم وتحويلهم إلى لاجئين».
أكثر من ذلك انتقدت بعض المنظمات اليسارية الإسرائيلية ما جاء في الإعلانين، وأصدرت واحدة منها بياناً قالت فيه «لا يمكن للقدس أن تكون مقدسة طالما أنها محتلة»، ورفض البيان هو الآخر حكاية أن تصبح القدس فوق السياسة، قائلاً أن «القدس المعاصرة نشأت بقرار سياسي، والسياسة وحدها هي التي تجعلها رسمياً موحدة خاضعة بالكامل لإسرائيل».
وتوحي تلك الانتقادات، فضلًا عن انتقادات أخرى صدرت عن رموز ومنظمات يهودية أميركية، بوجود جدل بين أنصار نتنياهو في كل من إسرائيل وأميركا من ناحية، وبين اليهود الأميركيين بل والإسرائيليين الذين يرفضون سياسة حكومتهم، بل ويشعرون بقلق بالغ إزاء تصعيد نتنياهو وأنصاره للخلاف مع واشنطن، الحليف الأهم على الإطلاق لإسرائيل، وتحديه العلني لأوباما.
أما في إسرائيل، فالقطاع الذي يخالجه القلق لم يعد يقتصر على أقصى اليسار، بل امتد هذه المرة إلى حزب العمل الإسرائيلي الذي يوجد في أوساطه قلق واضح إزاء التوتر في العلاقة مع واشنطن.
وقد نقلت التقارير أن اجتماعاً عقد مؤخراً لوزراء العمل الأعضاء في الحكومة الحالية، شهد جدلاً صاخباً حذر خلاله بعضهم إيهود باراك رئيس الحزب ووزير الدفاع، من أنه ما لم يحدث تحرك في الفترة القصيرة المقبلة بشأن محادثات التسوية، فإنهم سينسحبون من تلك الحكومة. وقد سعى إيهود باراك- حسب التقارير- ليهدئ من روعهم بتأكيد أنه سيسافر للولايات المتحدة خلال أيام، ويعقد اجتماعات مع رموز الإدارة.
أما في الولايات المتحدة، فيبدو أن موقف معظم اليهود الأميركيين من أوباما لم يتأثر بموقف المنظمات المناصرة لإسرائيل. فرغم انخفاض شعبية أوباما بين الأميركيين عموماً، إلا أن انخفاض شعبيته بين اليهود الأميركيين ظلت أقل من انخفاضها بين الأميركيين عموماً بمقدار 10 نقاط، الأمر الذي يعني أنه لايزال يتمتع بين اليهود بشعبية أعلى من تلك التي يتمتع بها بين باقي الأميركيين، وأن انخفاض شعبيته بين اليهود قد يرجع بالأساس ـ شأنهم شأن غيرهم من الأميركيين ـ لقضايا داخلية لا علاقة لها بإسرائيل مثل الرعاية الصحية والاقتصاد.
ويبدو أن أوباما يدرك جيداً ذلك الفارق بين موقف المنظمات المناصرة لإسرائيل وبين المواطنين اليهود. فقد نشرت الصحف أنه قال لساركوزي في آخر لقاء عقد بينهما، أنه يعلم أنه يدفع ثمناً سياسياً داخل أميركا، بسبب موقفه من حكومة نتنياهو، ولكنه سيواصل ضغطه عليها في كل الأحوال خصوصاً بشأن المستوطنات.
غير أنه ليس من الواضح حتى الآن ما تنويه إدارة أوباما. فهي على ما يبدو تمارس هذا الضغط بهدف إسقاط حكومة نتنياهو لتحل محلها حكومة أخرى، تمثل ائتلافاً بين كاديما والعمل مثلًا. وهنا تكمن المشكلة، فأية حكومة إسرائيلية بما في ذلك حكومات حزب العمل لها الموقف نفسه من الاستيطان. فالاستيطان في عهد رابين وباراك لم يكن أقل منه في عهد الليكود وكاديما. كل ما في الأمر هو أن تلك الحكومات أقل ميلًا للإعلان عن الاستيطان أو الدخول في مواجهات علنية مع واشنطن.
باختصار، فإن استمرار الضغط الأميركي على إسرائيل لا يعني بالضرورة أن من شأنه أن ينتهي بأوباما لتقديم خطة أو مبادرة ما دون التنسيق الكامل مع إسرائيل حول بنودها، وهي التي لن يكون سقفها أعلى على أية حال مما كان مطروحاً في عهد كلينتون.
كاتبة مصرية